من فرّط في البدايات… فليحسن في الخواتيم
كان حديث جُلّ منابر الأمّة الإسلاميّة، في الجمعة الماضية، عن ليالي العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر، حديث وُجّه إلى المقصّرين –ونحن منهم- بعد انقضاء ليلة مشهودة، هي ليلة الثالث والعشرين من رمضان، وهي الليلة الوترية الوحيدة التي وافقت ليلة الجمعة هذا العام، وكثير من العلماء يقولون إنّ ليلة الجمعة إذا وافقت ليلة وترية في العشر الأواخر، فهي أرجى ليلة لتكون “ليلة القدر”.
ربّما تكون ليلة القدر قد مضت، وفاتتنا نحن المفرّطين المقصّرين، وفاتت أولئك الذين أصابهم الوهن والفتور بعد النصف الثاني من رمضان، فتركوا التراويح وصاروا يصلون العشاء وينصرفون سراعا إلى الأسواق وجلسات المقاهي، والذين تراخت أيديهم عن المصاحف فما عادوا يقرؤون منها كما كان عهدهم في الأيام الأولى، والذين تركوا الصلاة والاستغفار عند وقت السحر، ولم تحدّثهم أنفسهم بصلاة التهجّد في المساجد ولا في البيوت!
حسرة عظيمة يُفترض أن تملأ صدورنا حينما نحسّ بأنّ ليلة القدر يمكن أن تكون انفلتت من بين أيدينا من دون أن نكون من أهلها، ومن دون أن نكون ممن يَعتق الله رقابهم ويغفر ذنوبهم ويعفو عنهم ويجيب دعواتهم ويقضي حاجاتهم فيها… ولو كانت قلوبنا حيّة لكان حريا بنا أن نبكي خشية أن نكون قد حرمنا بركة ليلة العُمر، لِتظلّ رقابنا مرتهَنة للنّار، وتظلّ ذنوبنا وغدراتنا وفجراتنا مدوّنة في صحائف سيّئاتنا. نبكي حسرة لأنّنا لا ندري إذا عاد رمضان من العام المقبل هل نكون بين الأحياء أم بين الأموات؟ وإن كنا بين الأحياء؛ هل تكون قلوبنا قد عادت إليها الحياة أم إنّها تكون لا تزال على قسوتها فيضيع منّا رمضان مرّة أخرى وتضيع منّا العشر الأواخر وليلة القدر مرّة أخرى!
لكن. من رحمة الله أنّه حجب موعد ليلة القدر، حتى يجتهد العبد الحريص على الخير في العشر كلّها، وحتّى يبقى للعبد المقصّر أمل إلى آخر ليلة من الشّهر الكريم.
فإلى كلّ من أحسّ بالحسرة والنّدم في قلبه: ليلة القدر يمكن أن تكون قد مضت وانقضت، والعبد المتحسّر ينبغي له أن يتّخذ قراره بأن يجعل ليالي عمره كلّها ليلة “قدر”… كما يمكن أن تكون لا تزال مختبئة في الليالي التي بقيت؛ فلا تزال أمامنا ثلاث ليال أو أربع، بينها ليلتان وتريتان، قد تكون ليلة القدر إحداهما، ولأنّ دخول رمضان اختلف بين بلاد المسلمين، فكلّ ليلة من هذه الليالي الأربع يمكن أن تكون هي ليلةَ القدر… ومن صدق في ندمه، وعقد عزمه على أن يعوّض ما فات فيما بقي، ففضل الله واسع وكرمه لا يحدّه حدّ… ولَأن تأتي متأخّرا خير من أن لا تأتي… لا تزال بقية باقية في عمر رمضان، وهي بقية مهمّة وحاسمة لكلّ عبد يجد في نفسه الشعور بالتقصير في حقّ رمضان… من أحسن في الأيام الماضية فليَثبت على إحسانه وليزد من اجتهاده كما يفعل المتسابقون إذا قاربوا خطّ الوصول. ومن قصّر وفرّط في الأيام التي خلت فليتب إلى الله من تفريطه، وليبدأ من جديد، وليستعن بالله ويعقد العزم على أن تكون هذه الأيام أيامه… من أساء استقبال رمضان وفرّط في استغلاله، فليحسن في ختامه وليحسن وداعه، وليحاول إقناع نفسه أنّه ربّما يكون رمضانه الأخير وفرصته الأخيرة في هذه الدّنيا.