الشروق العربي
هل هي دليل على سوء الأحوال المادية

الأكلات الشعبية بين كونها طعاما للفقراء وتربعها على قوائم أفخم المطاعم والفنادق

نسيبة علال
  • 1237
  • 0

لكل بلد أكلاته الشعبية التي تشكل موروثا حضاريا لساكنته، يتقنون صنعها ويتلذذون طعمها، مهما كانت مكونات الأطباق بسيطة. من جانب آخر، تمثل المأكولات الشعبية طعاما للعائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود، بسبب انخفاض قيمة مكوناتها في السوق.. لقد اعتدنا على هذا المنطق حقبا من الزمن، حتى ارتفعت الأسعار، وأصبحت منتجات، على غرار بعض البقوليات والأعشاب البرية، تنافس الأجبان واللحوم البيضاء، فتغيرت سمعتها بين الجزائريين.

يتفاخرون بأكلها.. اللوبيا والعدس من موائد الفقراء إلى طاولات الموظفين والطلاب

في زمن ليس بالبعيد، كان معظم الجزائريين يستحيون من إفشاء أمر الوجبة المنزلية، التي تناولوها إذا كانت لوبيا أو عدسا، خاصة إذا حدث في فصل غير الشتاء. فهذا الطبق الذي يعتمد أساسا على الفاصولياء، قليلا ما كان يطهى بشكل جيد، ثم إنه طبق اقتصادي بالنسبة إلى العائلات الكبيرة ذات الدخل المحدود، إذ يمكن طهي كمية قليلة من حبوب كانت رخيصة الثمن للحصول على قدر كبيرة مملوءة عن آخرها توفر الشبع. مع مرور الوقت، ارتفعت أسعار المادة الأولية. في المقابل، زاد اهتمام الناس بها بشكل مفاجئ وعلني، عندما أصبح الطبق يقدم ضمن قوائم مطاعم شعبية محترمة، بل وصار له مطاعمه الخاصة، والطهاة يعتبر الواحد منهم نفسه ملك اللوبيا، والآخر حامل أسرارها.. أما الموظفون العاملون بعيدا عن منازلهم، فلا يردهم إلى جو العائلة وموائد الوالدة، سوى وجبة شعبية سعرها مناسب وطعمها يكاد لا يختلف، يتقاسمون الحديث عنها وعن أفضل طبق لوبيا يتناولونه يوميا- وليس في الشتاء فقط- عبر مجموعات ومواقع التواصل الاجتماعي، دون حرج.

الأعراس والمناسبات تعيد مجد المأكولات الشعبية المهمشة

الشخشوخة والزفيطي طعام البسطاء أم فخر الفنادق؟

لابد أن المطلع على التراث جزائري يعلم أن أغلب الأطباق التي تصنف على أنها شعبية، كانت وليدة الحاجة، أو الحياة البسيطة التي كان يعيشها الجزائريون إبان الاستعمار وبعد الاستقلال مباشرة.. اشتهرت وأحبتها الأجيال، واعتادوها، لتأخذ قيمة معنوية. تقول السيدة سعاد، مهتمة وباحثة في التراث الجزائري: “كانت العائلات بعد الاستعمار تعاني الفقر والحاجة، وسط طبقية رهيبة، فلم يكن لأغلب الجزائريين الذين أنجبوا الكثير من الأطفال خوفا من موت بعضهم، ما يأكلونه ويقتاتون عليه باستثناء الطحين أو السميد. لذا، نجد معظم أطباقنا الشعبية متكونة من معجنات. وكانت الأمهات لا يرمين الخبز الذي يصبح، بل يقمن بتفتيته وتبليله بالمرق. وكذلك الأمر، بالنسبة إلى أنواع المخبوزات المحضرة منزليا كالفطير، الكسرة، المعارك أو لوراق..” مع تحسن الأوضاع تدريجا، وارتباط الجزائريين بهذه الأطباق التي كبر جيل كامل عليها، لكل ناحية خصوصياتها، بدأت الأمهات تحدث التغيير، وتضيف الخضار تارة وأنواع اللحوم تارة أخرى، وحتى المكسرات والفواكه الجافة، ثم انتقلت هذه الأطباق التقليدية إلى المطاعم الشعبية في الأحياء المتواضعة، وحتى إلى أكبر الفنادق بتصنيف 5 نجوم، تقدم ضمن التراث المادي للبلد، ويأخذ المهتمون مواعيد لتناولها على ضوء الشموع.

طلاب الجامعات يتركون الشيز وبيتزا الأجبان ليحظوا بالكرنتيكا وبيتزا كاري

المار بعدد من محلات بيع الطعام السريع المحاذية للشركات والجامعات على وجه الخصوص، يمكنه بسهولة إحداث مقارنة بسيطة، لطالما كانت خاطئة، وهي أن المأكولات الشعبية تستهوي الفقراء لانخفاض ثمنها، حيث يمكن أن تجد طلابا وطالبات يبدو عليهم الغنى من خلال سياراتهم وهندامهم وهواتفهم، مصطفين في طوابير طويلة، لأخذ قطع من البيتزا المربعة أو سندويتش من الكرانتيكا بالهريسة، أو حزمة محاجب.. في وقت، يحن المغتربون إلى هذه المأكولات وما إليها، ويبحثون عنها في أوطان غربتهم، وعلى المواقع، ليستمتعوا بطعم مميز، يعيدهم إلى جو العائلة وبساطته.

مقالات ذات صلة