الأمازيغية.. ترسيمٌ مع تأجيل التنفيذ
لا شكّ أن إدراج الأمازيغية لغة وطنية ورسمية في التعديل الدستوري الجديد مكسبٌ لملايين الجزائريين، بعد عقودٍ من النضال لترسيمها دستوريا، جنبا إلى جنب مع العربية.
لكن الواقع يقول إن ترسيم هذه اللغة قبل الاتفاق على الحروف التي ستُكتب بها وتوحيد لهجاتها في لغة واحدة فصيحة، يصعّب عمليا تطبيق المادة 3 مكرر التي تنصّ على أنها لغة رسمية، بكل ما يعني ذلك من التعامل بها في الإدارات والمؤسسات العمومية وإصدار وثائق بها…
الأمازيغية الآن تُكتب بالحروف اللاتينية في منطقة القبائل، وبالتيفيناغ لدى الطوارق، وبالحروف العربية في الأوراس وغرداية، ومع أن ذلك لم يكن يطرح مشكلا طيلة 20 سنة من تدريسها في هذه المناطق بحروف متعددة، إلا أن الأمر سيختلف الآن بعد أن أصبحت رسمية، فما هو الحرف الموحّد الذي سيُستعمل إذا قُدّر لبعض مؤسسات الدولة يوما أن تستخدمها في وثائقها ومراسلاتها الرسمية؟
أمّا الأصعب من مسألة الحروف، فهو كيفية توحيد اللهجات الحالية للأمازيغية في لغةٍ واحدة فصيحة، بحيث يمكن بعدها للشاوية والقبائل والميزابيين والطوارق والشنويين وباقي أمازيغ الجزائر حيثما كانوا، دراستُها بشكل موحّد، والتخاطب بها حينما يلتقون، بدل أن يلجؤوا إلى استعمال لغةٍ أخرى للتفاهم كما يحصل حاليا بسبب عدم فهمهم للهجات بعضهم البعض؟ !
وإلى حدّ الساعة، لم تقطع الأمازيغية بهذا الصدد أشواطا يمكن الاطمئنانُ إليها، ويكفي فقط النظر إلى تجربة تدريسها في مختلف مناطق الوطن، لندرك من دون عناء أن ما يُدرّس فعلاً في منطقة القبائل هو القبائلية، وفي الأوراس هو الشاوية، كما يدرِّس الميزابيون والطوارق والشنويون لهجاتهم الخاصة لأطفالهم، وليس هناك أي وجود حقيقي في المدرسة لأمازيغيةٍ فصحى تسمو على هذه اللهجات.
هذا يعني باختصار، أن إدراج الأمازيغية في التعديل الدستوري كان هدفُه الأول هو إنهاء التوظيف السياسي لهذه الورقة، وتقوية اللحمة الوطنية، وهذه خطوة إيجابية في الواقع، ولكنها غير كافية ما لم تُتبع باتخاذ تدابير جدِّية للتمكين لها في الميدان.
ولعلّ إقرار الدستور المعدّل بإنشاء مجمع للأمازيغية، سيكون خطوة في هذا الطريق الشاق، وسيعني إخراجها نهائيا من دائرة المتاجرة السياسية إلى الميدان العلمي الأكاديمي وحده.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن تحديا كبيرا وشاقّا ينتظر خبراء اللغة؛ فإذا كان اتفاقُهم على حرف موحّد للأمازيغية أمرا ممكنا برغم كل الاختلافات الإيديولوجية، فإن إبداعهم لعشرات الآلاف من المصطلحات في مختلف العلوم والمعارف لن يكون أمرا يسيرا، ويحتاج إلى جهود أكاديمية مضنية، وإلى عشرات السنين لوضع قواميس عديدة وثريّة بمصطلحات أمازيغية كافية لتكوين أجيالٍ جديدة قادرة على الحديث بهذه اللغة الموحّدة، والتعامل بها، وكذا التأليف بها في شتى المعارف والآداب والفنون والعلوم، وتطويرها حتى تحافظ على وجودها على الأقل، والمسألة ليست سهلة كما يتصوّر البعض.
لو قامت الحكومة بإنشاء مجمع للأمازيغية فور إقرار تدريسها في 1996، لكانت هذه اللغة قد كسبت 20 سنة كاملة، ولكانت بعض ظروف انطلاقتها كلغة رسمية متوفرة الآن، ولكن أن تأتي متأخرا خيرٌ من أن لا تأتي أبدا.