الأمطار وثلوج الربيع تشلان الحركة في المرتفعات والمناطق الساحلية
تعيش العديد من ولايات الوطن، منذ مطلع الأسبوع الجاري، على وقع تقلبات جوية حادة أعادت مشاهد الشتاء القاسية إلى الواجهة في توقيت غير معتاد من نهاية شهر مارس. هذه الموجة التي تميزت بتساقط كثيف للثلوج على المرتفعات وأمطار طوفانية في المناطق الساحلية والسهبية، لم تكن مجرد حدث عابر، بل تحولت إلى حالة استنفار قصوى شملت مختلف الأجهزة التنفيذية، من حماية مدنية وأشغال عمومية وأفراد الجيش الوطني الشعبي، الذين تجندوا لفك الحصار عن المواطنين وتأمين المحاور الحيوية التي شلها الجليد والاضطرابات الجوية.
شهدت منطقة “شلاطة” في ولاية بجاية، صبيحة الاثنين تدخلات ميدانية مكثفة باشرتها مصالح مديرية الأشغال العمومية. قسم الأشغال العمومية لدائرة أقبو سخر إمكانات مادية وبشرية ضخمة لإزاحة أكوام الثلوج التي تراكمت على محور الطريق الوطني رقم 26 أ، وهو الشريان الرابط بين بجاية وتيزي وزو.
هذه الجهود الميدانية المتواصلة، التي جرت في ظروف مناخية صعبة، كللت بإعادة فتح المسلك وتأمين انسيابية حركة المرور، إلا أن السلطات المحلية لم تتوانَ عن إصدار نداءات تحذيرية شددت فيها على ضرورة الالتزام بأقصى درجات الحيطة، خاصة من مخاطر “الجليد” الذي يتشكل في الفترات الصباحية والمسائية محولاً الطرقات إلى مسارات انزلاقية خطيرة.
إنقاذ 20 محاصرا ببجاية
وفي مشهد آخر من مشاهد التضامن والإنقاذ، عاشت بلدية أوزلاقن ليلة الأحد إلى الاثنين “ليلة سوداء” بكل المقاييس. فقد قادت الوحدة الثانوية للحماية المدنية عملية إنقاذ واسعة بالمكان المسمى “شريعة” على الطريق الولائي رقم 251، حيث تسببت الثلوج الكثيفة والأمطار الغزيرة في محاصرة 20 شخصاً كانوا على متن ثماني سيارات وشاحنة. التدخل الذي بدأ في حدود الساعة الثامنة والنصف ليلاً، جرى بالتنسيق مع مصالح الدرك الوطني، واستخدمت فيه كاسحات الثلوج وآلات التسوية لفتح المسالك المقطوعة.
وبفضل سرعة الاستجابة، تم إجلاء جميع العالقين بنجاح ونقلهم إلى بر الأمان بعد تقديم الإسعافات الأولية اللازمة، في عملية أكدت مرة أخرى جاهزية الفرق المتخصصة في التعامل مع الأزمات المناخية المفاجئة.
أما في ولاية تيزي وزو، فقد كان الوضع مشابهاً من حيث حدة الاضطرابات، إذ سجلت المصالح المعنية عدة حوادث مرورية ناجمة عن انزلاق الطرقات، أبرزها اصطدام مركبتين نفعيتين بمنطقة واد عيسي، مما أدى لشل الطريق الوطني رقم 12 لساعات. كما شهدت مرتفعات إفرحونان، إيللتن، وبونوح تدخلاً مكثفاً لفتح الطرقات التي يزيد علوها عن 900 متر، حيث تحالف الجيش الوطني الشعبي مع مصالح البلديات لإخراج المركبات العالقة وتأمين حياة القاطنين في تلك القمم المعزولة.
من جهتها ولاية البليدة لم تكن بمنأى عن هذه العاصفة، حيث ضربت مرتفعات الشريعة موجة ثلجية كثيفة تسببت في شلل تام لحركة السير هناك، وتدخل أفراد الجيش الوطني الشعبي جنباً إلى جنب مع الحماية المدنية لمساعدة المواطنين وتحرير المركبات العالقة.
ولم تقتصر الأضرار على الثلوج، بل أدت الأمطار الغزيرة إلى انهيار أتربة وحجارة على مستوى الطريق الوطني رقم 01 ببلدية الشفة، وهو محور استراتيجي يربط الشمال بالجنوب، ولحسن الحظ لم تُسجل خسائر بشرية. كما تمكنت فرق الإنقاذ ببلدية وادي العلايق من تحرير شاحنة عالقة وسط تراكم مياه الأمطار بالطريق الولائي الرابط بين القليعة وبن حمدان.
في ولاية الجلفة، حملت الثلوج المتأخرة طابعاً مختلفاً؛ فرغم عنصر المفاجأة للسكان الذين لم يتوقعوا عودة الشتاء في نهاية مارس، إلا أن هذه التساقطات استُقبلت بابتهاج كبير من قبل الفلاحين والموالين. فقد غطت الثلوج المرتفعات والسهوب بحلة بيضاء تحمل وعوداً إيجابية للقطاع الفلاحي الرعوي.
يرى المختصون أن هذه الثلوج ستساهم بشكل مباشر في ترطيب التربة وتعزيز مخزون المياه الجوفية، فضلاً عن إنعاش المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها الموالون في تغذية مواشيهم.
هذا “الغيث المتأخر” من شأنه تحسين غطاء النبات خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما يعزز الآمال في تحقيق موسم فلاحي واعد يقلل من آثار سنوات الجفاف الماضية.
المياه تجتاح المساكن
من جهة أخرى، عاشت ولاية تيبازة 24 ساعة من التدخلات المكثفة بسبب الأمطار الغزيرة. وسجلت مصالح الحماية المدنية عدة اضطرابات عبر بلديات الحطاطبة، عين تقورايت، بوسماعيل، حجوط. وتركزت العمليات أساساً على تصريف مياه الأمطار التي تسربت إلى بعض السكنات والمرافق العمومية، إضافة إلى إزالة الأشجار الضخمة التي سقطت بفعل الرياح والأمطار، خاصة على الطريق الوطني رقم 11.
ففي بلدية الحطاطبة، انهار جدار إحاطة سوق الجملة للخضر والفواكه، بينما تسبب سقوط الأشجار في حي الڤراري بتيبازة في تضرر بعض الأعمدة الكهربائية، مما استدعى تدخلات دقيقة لتفادي انقطاع التيار أو وقوع حوادث صعق كهربائي.
انتعاش تاريخي للسدود
وشهدت السدود المموّنة لولاية المدية ببلدياتها الـ64 انتعاشاً كبيراً عقب التساقطات الأخيرة، حيث بلغت نسبة امتلاء سد “غريب” ببلدية عريب بعين الدفلى 100% بسعة 125 مليون متر مكعب، ليضمن تمويناً يومياً بـ40 ألف متر مكعب للجهة الشمالية والغربية، فيما سجل سد “كدية أسردون” العملاق الواقع في البويرة، استرجاعاً تدريجياً لعافيته بنسبة امتلاء بلغت 10%، وهي كمية كافية لضخ 80 ألف متر مكعب لبلديات شرق ولاية المدية كل ثلاثة أيام.
وبالتوازي مع الامتلاء الكلي للسدود الداخلية الصغيرة كـ”فاتسن”، “المساغيد”، “بوسليلات”، سجلت مصالح الجزائرية للمياه عطلاً تقنيًا في قناة الجر الفولاذية (قطر 600 ملم) القادمة من سد غريب، ما أثر مؤقتاً على التوزيع ببلديات المدية، حناشة، حربيل، وامري، ذراع سمار، حيث تجري الأشغال حالياً لإصلاحه، وسط تفاؤل بحل نهائي لهذه الأعطاب المتكررة مع تقدم أشغال مشروع “ازدواجية قناة الجر”، وهو ما يضمن أريحية تامة في التزويد بالمياه خلال الصيف المقبل.
وبالانتقال إلى غرب البلاد، فقد اكتست جبال الونشريس وحظيرة “المداد” بثنية الحد في ولاية تيسمسيلت حلة بيضاء ناصعة، بعد تساقط كميات معتبرة من الثلوج تراوح سمكها بين 15 و25 سنتيمتراً حسب نشريات الديوان الوطني للأرصاد الجوية.
هذا المنظر الجمالي رافقه انخفاض محسوس في درجات الحرارة وصعوبة في التنقل عبر الطريق الوطني رقم 19 الرابط بين بلدية الأزهرية وحدود ولاية الشلف. والي الولاية أشرف شخصياً على متابعة المخطط الميداني لمديرية الأشغال العمومية لضمان بقاء المحاور مفتوحة، مع دعوة الحماية المدنية للسائقين باحترام مسافات الأمان وقواعد السلامة المرورية في هذه الظروف الاستثنائية.
وبينما تواصل المصالح العملياتية تواجدها في الميدان لضمان الأمن المروري، يظل الرهان على وعي المواطن ومستعملي الطريق للتقيد بإرشادات السلامة، بانتظار استقرار الأجواء وجني ثمار هذه التساقطات.