الأمن يشنّ حربا على شبكات بيع المهلوسات بالمدن الكبرى
تكشف جل المعطيات والدلائل عن أن نشاط شبكات “الاكستازي” وكافة الأدوية المؤثرة، تراجع في مختلف مناطق الوطن، أمام القبضة الأمنية غير المسبوقة على العصابات الناشطة في هذا النشاط الاجرامي، ونجاح المصالح الأمنية في الفترة الأخيرة في توقيف ما لا يقل عن سبعة أشخاص في الفترة الممتدة بين 1 جوان إلى 31 أوت الماضي، بينهم صيادلة في ولايات الشلف، وعين الدفلى، وجيجل، ومستغانم ووهران، حسبما أشار إليه المصدر نفسه.
تفيد معطيات استقتها “الشروق” من مصادر عليمة، أن تحقيقات واسعة وغير مسبوقة تستهدف عديد الصيدليات في أكثر من 12 ولاية، ثلاث منها في شرق البلاد، وست ولايات في غرب الوطن، وثلاث أخرى في وسط البلاد، على خلفية الاشتباه بضلوعها في تسويق كميات معتبرة من الأقراص المهلوسة وعرضها على تجار التقسيط في معظم الأحياء الشعبية للمدن الجزائرية .
وتكشف المصادر نفسها، عن أن التحقيقات الجارية على قدر عال من الجدية، جاءت في أعقاب توقيف صيادلة وباعة في وهران، والشلف، وعين الدفلى، وتيارت، وقسنطينة ومستغانم، وضبط 80 ألف علبة بمقدار 480 ألف وحدة مخدر “بريغابالي”، المصنف ضمن الأدوية الشبيهة بالمؤثرات العقلية لدى صيدلي، على إثر ورود معلومات دقيقة، تفيد بوقوفه خلف رواج هذه الأدوية في نقاط غير رسمية اعتادت تعويم الشباب بهذه السموم القاتلة .
كما نجحت تحقيقات الجهات المختصة الهادفة إلى تجفيف منابع “المؤثرات العقلية” في عملية توقيف صيدلي في الشلف وضبط 65 ألف قرص من مخدر “بريغابالين” الذي يأتي في صدارة المؤثرات العقلية المنتشرة في الجزائر والأكثر طلباً من قبل متعاطي هذه السموم، والذي يتم تداوله في الجزائر تحت اسم “ليريكا” أو”ريكابالين” ويحتوي على 3 جرعات متداولة، هي 50 ميليغراما، و150 ميليغرام و300 ميليغرام والتي تعد الأخطر على المدمنين، وقبله تمّ توقيف بائع في صيدلية كبيرة في وسط مدينة الشلف والحكم عليه بعقوبة 18 شهرا حبسا نافذا .
عصابات تتحوّل إلى “كارتل”
ودخلت المصالح الأمنية في عاصمة الغرب الجزائري على الخط، في استهداف هذا النشاط المحظور بقوة، للتوصل إلى خيوط جماعات مصغرة تنشط في تسويق “المواد الكاشطة للعقول” يرجح أن لها امتدادات بنشاط شبكة مفككة في شهر جوان الماضي، مكوّنة من 17 شخصا بينهم 13 صيدليا كانوا ينشطون في ولايات مختلفة في غرب وشرق الوطن “وهران، وغليزان، ومستغانم، والشلف، والبليدة وتبسة”، تم الحكم عليهم في الأسابيع القليلة الماضية بقرارات جزائية قوامها خمس سنوات حبسا نافذا، لتورط الجميع في إنشاء مخبر تحاليل مختص في صناعة الأدوية والمؤثرات العقلية بحي شعبي في وهران بطريقة غير مرخص بها، وتم إحباط نشاط الموقوفين متلبسين بتصنيع كمية معتبرة من المؤثرات العقلية من مختلف الأصناف، أغلبيتها من صنف الصاروخ (بريغابالين) ومكملات تفتقد لمعايير التصنيع الحقيقية، متمثلة في 15100 قرص، توبعوا من قبل نيابة محكمة وهران بتهم تكوين جماعة أشرار وتسويق أدوية محظورة الاستعمال .
ولفت المصدر إلى أن الحرب الحقيقية التي تخوضها المصالح الأمنية ضد “كارتل” تسويق الأقراص المهلوسة، الغاية منها وقف نزيف استهلاك هذه الحبوب وكبح ظاهرة “حرب العصابات” داخل الأحياء الشعبية الآخذة في تزايد مستمر، بالرغم من صدور قانون يفرمل نشاط “العصابات الملثمة”، المرتبطة باستهلاك هذا النوع من “الحبوب المخدرة” .
فواتير وكشوف بنكية في دائرة التحقيقات
تبرز المعلومات التي بحوزتنا، أن التحقيقات التي تجريها مصالح الأمن على ضوء الأنشطة الإجرامية التي تورطت فيها بعض الصيدليات في عدد من مناطق الوطن، تتم بموجب تعليمات نيابية صادرة عن وكلاء الجمهورية لدى محاكم الوطن، لأجل مكافحة بيع وتسويق المنتجات الصيدلية ذات الخصائص المخدرة بشكل غير قانوني، حيث يخضع الكثير من موزعي الأدوية في عدد من الولايات منذ شهرين تقريباً، إلى تحقيقات دقيقة أهمها إخضاع كشوف بنكية وعشرات صكوك الصيادلة إلى تحقيقات معمّقة من قبل فرق أمنية متخصصة في مكافحة الاتجار في الأقراص المخدرة على مستوى البنوك خلال الأربع سنوات الأخيرة 2017/2021 وذلك بموجب تسخيرات قضائية، بغرض تحديد المبالغ التي جناها بعض الصيادلة من خلال بيع عدد من الأدوية المستهدفة من قبل الجهات الأمنية.
كما تمتد التحقيقات لتطال كافة الفواتير المتعلقة والوثائق المحاسبية للتأكد من تطابق الكميات المستخرجة من قبل الصيادلة من مستودعات موزعي الأدوية مع الفواتير القديمة والحديثة، بالإضافة إلى تصريحات بعض المشتبه بهم، للتأكد من صحة المعلومات التي بحوزة المحققين الأمنيين بشأن ثروات تكون قد تحققت نتيجة الاتجار في الممنوعات .
ويأتي تحرك نيابة الجمهورية في هذا الاتجاه، لتضييق الخناق على نشاط بيع وتوزيع الأدوية خارج الصيدليات ووضع اليد على مزيد من شبكات الاتجار في المؤثرات العقلية، بعد أن ثبت أن الجهود المبذولة على مستوى مراقبة بيع وصرف الأدوية، لم تحقق النتائج المرجوة، حيث يتم مداهمة عدد من الصيدليات لإخضاع أصحابها إلى المساءلة في ظل إحصاء عدد من الأشخاص غير مؤهلين لبيع وتوزيع هذه المواد التي تشكل خطورة على صحة المستهلك .
في هذا الإطار، تصدت محكمة بوقادير في الأسبوعين الماضين إلى شبكة تضم عددا من الأشخاص بينهم صيدلي، تورطوا في ترويج 65 ألف قرص من أقراص “ليريكا”، تم توقيف أربعة منهم بينما يشتبه بفرار آخرين إلى خارج الوطن .
“سنابو”: هذا هو الغرض من القرار الوزاري!
وبحسب المصادر ذاتها، فإن النقابة الوطنية الجزائرية للصيادلة الخواص “سنابو”، انخرطت في نفس المسعى الذي تبذله الدولة لتجفيف مدن الوطن من شبكات بيع المواد المخدرة، المدمرة للخلايا العصبية، وذلك بتوجيه نقابة سنابو إلى كافة الصيادلة الجزائريين مراسلة طارئة تحذر كافة الصيادلة من أي عمل يخالف القانون المتعلق بضبط وسير مهنة الصيدلي أو الانخراط في أنشطة إجرامية يعاقب عليها القانون، كما وضعت لائحة المؤثرات العقلية غير المسموح ببيعها خارج المسالك القانونية، مشيرة إلى أن هناك 12 صنفا من الأدوية المؤشر عليها بالخانة الحمراء مرفوض تماما توزيعها دون تقديم المريض وصفة طبية لغرض ذلك، مع تقيد الصيدلي بأحكام القرار الوزاري المشترك الجديد، الذي يحدد الرقابة الإدارية والتقنية وسلامة الأدوية ذات التأثيرات العقلية، كما جاء وفق تقديرات نقابية لحفظ الصحة العمومية عبر ضمان جودة وسلامة الأدوية، إضافة إلى حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الأدوية المقلدة أو الملوثة أو عليها بيانات كاذبة .
وكشفت نقابة سنابو حسب المذكرة التي بحوزتنا، عن قائمة الأدوية التي صنفت مؤخرا ضمن المؤثرات العقلية كتصنيف خاص في الجزائر، وذلك ضمن أكثر من 150 دواء مصنف من قبل منظمة الصحة العالمية بأنها أدوية لها خطورة على صحة المستهلك .
وتظهر المعلومات أن الجزائر لجأت إلى تصنيف 12 ماركة دواء تدخل إلى التراب الوطني من فصيلة المؤثرات العقلية، على أساس أنها أدوية محظورة، وأدرجت في لائحة المواد الخطيرة التي يتم إساءة استخدامها على غرار “ليريكا” أو ما يعرف في أوساط المدمنين باسم “الصاروخ”، ”ترامادول”، ”باركيديل”، “نوروماد”، ”زينون”، ”ليكزوميل” و”ليزنكسيا”، إذ أصبح عددها إجمالا في حدود 12 دواءً يخضع استيرادها وتصنيعها وتوزيعها ووصفها لرقابة أمنية صارمة .
وبحسب ما أورده أحد نقابيي سنابو “هواري. ع” في نقابة ناحية الغرب، فإن هذه الأخيرة، تخوض بالتنسيق مع المصالح الأمنية، معارك ضد المتاجرين بالأدوية بشكل غير قانوني، وذلك لتنظيم وتأطير المهنة مجددا، من منطلق الإسهام في الجهود المبذولة للدولة من أجل القضاء على بيع الأدوية خارج الأطر القانونية، بنية حماية صحة المواطنين، ثم حماية الاقتصاد الوطني، لافتا إلى أن القرار الوزاري المشترك بين وزارتي الصحة والصناعة الصيدلانية الموقع في 11 أوت 2021، تنص مقتضياته الجديدة على مُعاقبة كل شخص ثبت في حقه توزيع هذه الأدوية خارج المسالك القانونية، قائلا إن “سنابو” نظمت أياما تكوينية في أغلب ولايات الوطن لفائدة الصيادلة وأكدت النقابة أنها رفعت يدها عن الصيادلة الخارجين عن القانون .
وذكر محدثنا، أن المواطنين باتوا مدعوين اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى الانخراط بقوة للتبليغ عن الأدوية التي تباع خارج الصيدليات، لما تشكله من خطورة على صحة مستهلكيها، مؤكدا أن القضاء على مثل هذه الأنشطة المخالفة للقانون يستوجب تعاون المواطن مع الأجهزة الرسمية من أجل الحد من هذه الظاهرة .
سموم تخرّب الخلايا العصبية
ولفت المتحدث، إلى أن “بريغابالين”، يعد من بين المواد المخدرة التي يتناولها من ليسوا في حاجة طبية إليها، مثمّنا ما تقوم به المصالح الأمنية في تشديد الخناق على منابع توزيع الأدوية المخدرة، مضيفا أن أولى الانعكاسات الإيجابية للحملة الأمنية الواسعة على عصابات المؤثرات العقلية، بدأت تتجلى في الميدان، سواء تعلق الأمر بالأطراف التي عمدت إلى تغييب الشفافية في بيعها وتوزيعها أو “شبكات الأحياء” التي تعرض عقاري “اكستازي” و”بريغابالين” على المدمنين والإسهام في تدمير عقولهم، تضاف إليهما منتجات أخرى، مثل “أل.أس.دي” والكافيين، الكيتامين والإيفيدرين، ومن أبرز تأثيراتها تخريب الخلايا العصبية كما بينت ذلك تجارب طبية، خلال استخدامها بجرعات عالية ومتكررة. وذكَّر المصدر النقابي بما ورد في القرار الوزاري المشترك، الذي حصر المواد ذات الخصائص المؤثرة عقليا، التي لا يمكن وصفها إلا من طرف الأطباء.
مؤكدا أن القرار شدّد على تحرير وصفة المواد والأدوية في ثلاث نسخ ذات ألوان مختلفة، أبيض وأصفر ووردي، وذلك بتسليم النسختين الحاملتين للونين الأبيض والأصفر للمريض، وأن الطبيب الواصف وجب عليه الاحتفاظ بالنسخة الوردية لمدة سنتين، إذ حدد المرسوم المدة القصوى للوصفة بثلاثة أشهر.
كما شدّد القرار الوزاري المشترك بين الوزارتين المذكورتين، على تحديد لائحة المواد والأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقليا ذات الاستعمال الاستشفائي والوصف المـحدود، بموجب قرار من الوزير المكلف بالصحة. ويتم تبادل أو نقل المواد والأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقليا بين مؤسسات الصحة وبين الصيدليات، بموجب وثيقة تنازل تبين طبيعة وكمية المواد المتبادلة أو المنقولة.