الأم السيئة.. حالة من تأنيب الضمير والشعور بالتقصير
تعيش الأمهات الجدد، في الشهور الأولى بعد الولادة، مزيجا من المشاعر المختلفة.. فتارة، هي في قمة السعادة بأمومتها، مغمورة بفرح وجود صغيرها إلى جانبها. وتارة، قلقة متوترة من كثرة المسؤوليات والتغيرات التي تمس حياتها في تلك الفترة، ويطغى عليها شعور بالتقصير وعدم الأهلية لمهمتها الجديدة.
يؤكد خبراء في علم النفس على أن المشاعر التي تنتاب الأم الجديدة وعدم التحكم فيها، بالاستمرار على فكرة أنها ربما قد قصرت في إرضاع صغيرها، أو تقديم العناية المناسبة له، بالإضافة إلى شعورها حيال بقية الإخوة- إن وجدوا- هو ما يحدد درجة الاكتئاب الذي يصيب 92 بالمئة من السيدات بعد الولادة.
المحيط غير الداعم، وتواجد الجلادين حولها عندما تُتهم الأم بالتقصير
يتساءل الكثيرون من أين تنبع المشاعر السلبية التي تسيطر على غالبية الأمهات في هذه الفترة، رغم أنهن يقدمن أفضل ما لديهن للأبناء، ويكرسن كل وقتهن وكامل طاقتهن لتوفير الرعاية اللازمة للجميع. مع هذا، تنام بعضهن مع تأنيب الضمير، وأخرى تذرف الدموع لعجزها عن أن تكون أمًّا مثالية. هذه الحالة، بحسب مختصين، هي نتيجة لعدة عوامل، منها تواجد الأم في محيط غير داعم، أو هي تعاني باستمرار من الانتقادات والتوجيهات غير المتوافقة، مع انعدام الخبرة أحيانا.. يسبب كل هذا وغيره حالة من التشتت الداخلي، الذي يجعل الأم تشعر وكأنها ملزمة بتقديم المزيد. تقول نسيمة، 31 سنة: “لم أتمكن من إرضاع ابني، رغم محاولاتي المتكررة، وإصراري، فشلت في تقديم الرضاعة الطبيعية التي أعرف منافعها، وسبب لي هذا الأمر أزمة نفسية، كلما كنت أحاول تخطيها، التقيت صديقات أو نساء من العائلة، كلهن يشرحن لي فوائد الإرضاع وضرورته للصغير، ثم يطلبن مني المحاولة واستخدام بعض الأدوية والأطعمة، وكأنني أنا من رفضت ذلك. بعد كل اجتماع، كنت أبيت الليل باكية، أنظر إلى صغيري النائم، وأعتذر إليه..”. في هذا الشأن، تقول الأخصائية النفسية، نادية جوادي: “تعلم الأم وحدها كم بذلت من جهد من أجل صغارها.. لكن الضغط الخارجي الذي يأتيها من المحيط، بدءا من الزوج والعائلة إلى الأصدقاء والمعارف، وحاليا حتى مجموعات ومنشورات المواقع، يجعلها تعتقد أنه كان عليها تقديم الأفضل. وهو ما يضعها في حالة من جلد الذات وتأنيب الضمير، تنتهي لدى الكثيرات بالاكتئاب الحاد، والإهمال الذاتي، والعنف غير المبرر والعزلة الاجتماعية”.
المقارنة خطأ ترتكبه الأم في حق نفسها
حرص الأم الجديدة على تقديم أفضل رعاية لمولودها، يجعلها تتابع عدة حصص تلفزيونية وصفحات متخصصة على مواقع التواصل، وربما تنضم إلى مجموعات تتعلق بالرضاعة أو الإطعام، وأنظمة التربية الذكية.. وكل ما يتعلق بالتربية والعناية. لكن، ما لا تنتبه إليه غالبية الأمهات في طريق انتفاعها بتلك المحتويات، أن الغالبية تقوم لا شعوريا بالمقارنة بين ما تقدمه هي كأم، وما تقدمه الأمهات الأخريات، على اختلاف ظروفهن المادية والاجتماعية وحتى النفسية، فتجد أنها ربما ليست قادرة على شراء بعض الكماليات أو إعطاء وقت أكبر لمداعبة الصغير عند الاستيقاظ، أو إنها تقدم وجبات تراها ناقصة.. كل هذا، يضعها أمام فكرة أنها أم سيئة. وقد تفكر كذلك في كونها ربما ليست كفؤا لتحمل أعباء الأمومة. وهذا، بحسب الأخصائية النفسية، نادية جوادي، يخلق شرخا نفسيا ويؤثر حتى على علاقتها بالشريك والمحيط، وقد يقودها الإحباط إلى التأثير على علاقتها بمولودها أيضا. لهذا، تنصح الأخصائية: “يجب أن تتحلى الأم بالوعي الكامل عند تعرضها لمحتويات تتحدث عن التربية، وأن تكون في كامل يقينها بوجود اختلافات مادية ومعنوية من أم إلى أخرى”.