الرأي

الأولمبياد: لماذا فشلنا في بناء نخبة علمية مستدامة؟

ح. م

صدرت اليوم الثلاثاء 21 جويلية النتائج الرسمية للدورة السابعة والستين من أولمبياد الرياضيات الدولي (IMO) في شنغهاي، وهو المحك الأكثر جديةً لقياس مدى تقدم الأمم في بناء النخب العلمية الشابة في مجال الرياضيات. وبينما احتلت دول مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا وإيران المراتب الأولى بفضل أنظمتها المتجذرة في اكتشاف المواهب منذ المراحل التعليمية الأولى، جاء ترتيب الجزائر متواضعا (المركز 83)، وهو موقع لا يليق بطموحاتها ولا بإمكانياتها البشرية.

هذا التذبذب في الترتيب ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لعجزنا، الذي طال، عن بناء نظام مستدام لتكوين نخب في صفوف تلاميذنا، والاعتماد عوض ذلك على جهود فردية هنا وهناك. فالتميز الحقيقي يتم بخطط بعيدة المدى وسياسات متواصلة تبدأ من المراحل الابتدائية والمتوسطة لضمان ديمومة النخبة واستقرارها، كما تفعل عديد الدول.

1. مراتب الدول العربية

اليوم أظهرت النتائج الرسمية لأولمبياد الرياضيات الدولي الذي شاركت فيها 117 دولة، ترتيب الدول العربية المشاركة: تصدّرت السعودية هذه القائمة محتلة المركز الـ36 عالميا برصيد 124 نقطة، تليها سوريا في المركز الـ76 (73 نقطة)، ثم تونس في المركز الـ77 (72 نقطة)، يليها المغرب في المركز الـ82 (64 نقطة)، ثم الجزائر في المركز الـ83 (59 نقطة). وحلت الإمارات في المركز الـ93 (39 نقطة)، ثم العراق بالمركز الـ94 (37 نقطة)، وليبيا بالمركز الـ100 (29 نقطة)، وقطر في المركز الـ107 (19 نقطة)، وسلطنة عُمان في المركز الـ110 (14 نقطة)، وفلسطين بالمركز الـ112 (10 نقاط).

2. تفوق السعودية وسوريا الدائم

إن التفوق الملحوظ للسعودية وسوريا في أولمبياد الرياضيات الدولي مقارنة بباقي الدول العربية ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجيات وطنية واضحة وراسخة، تقوم على اكتشاف المواهب العلمية ورعايتها منذ مرحلة مبكرة من التعليم. هذه الاستراتيجيات، التي تنفذها هيئات ومؤسسات رسمية متخصصة، هي ما يمنح هذين البلدين نخبا رياضية وعلمية مستقرة ومستمرة في التفوق.

في السعودية، يُعد انتقال مسؤولية التحضير للأولمبياد العلمي من وزارة التربية والتعليم إلى “مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع” قبل نحو 15 سنة نقطة تحوّل جوهرية. هذا النقل لم يكن تغييرا إداريا فحسب بل كان نقلة نوعية في فلسفة العمل حيث تم إسناد المهمة لهيئة شبه حكومية تتمتع بمرونة مالية وإدارية عالية، ويرتبط بشكل مباشر بأعلى مستويات القيادة في البلاد. مكّن هذا التحول الهيئة من تطوير برنامج متكامل لا يقتصر على التدريب وحده بل يمتد ليشمل عمليات انتقاء دقيقة على مستويات متعددة تبدأ من المرحلة المتوسطة. ولم تتوقف الهيئة عند الرياضيات بل وسعت نطاق عملها ليشمل الفيزياء والكيمياء والمعلوماتية وغيرها لتعميق أثر هذه التجربة، وواصلت تحقيق الإنجازات وحصد الميداليات في كل المنافسات العلمية العالمية.

أما في سوريا، فتضطلع “هيئة التميز والإبداع” بدور محوري في رعاية النخب العلمية، وهي تعمل كنظام متكامل لاكتشاف المواهب منذ مراحل تعليمية مبكرة. وتتجلى منهجية الهيئة في كيفية اختيارها للمشاركين في المسابقات الإقليمية والدولية. هذا يعني أن الهيئة تبني قاعدة صلبة لصالح الموهوبين عبر سنوات من الرعاية والتدريب المكثف، وتختار من بينهم الأفضل لتمثيل البلاد. هذا التوجه يعكس استراتيجية واعية لبناء جيل من النخب العلمية عبر سنوات طويلة من الرعاية المتواصلة، ولإكسابهم الخبرة اللازمة للمنافسة في المحافل الدولية منذ نعومة أظفارهم .

نلاحظ أن النموذجين السعودي والسوري لا يختلفان في جوهرهما، فكلاهما يقوم على إدراك عميق بأن التفوق في المسابقات العلمية الدولية يحتاج إلى بنية تحتية معرفية متينة تُبنى منذ الطفولة. وقد جُسّد هذا الإدراك في إنشاء هيئات رسمية قوية ومتخصصة تمتلك الصلاحيات اللازمة والموارد المادية والرؤية طويلة المدى لبناء نظام متكامل يحتضن الموهوبين. وهكذا استطاعت الدولتان أن تضمنَا نخبًا مستقرة وعالية الكفاءة، قادرة ليس فقط على المنافسة بل على ترك بصمتها في سجلات المنافسات الأولمبية العالمية.

3. تميّز إيران

احتلت إيران في أولمبياد الرياضيات الدولي المركز 14 متفوقة على دول كبرى وصناعية مثل فرنسا، وألمانيا، وإسرائيل، وبلجيكا، وإسبانيا، وسويسرا، والنرويج، والسويد. وهذا التفوق يكشف على نفس الحقيقة التي أشرنا إليها آنفا: التفوق في هذه المحافل لا يتوقف على حجم الاقتصاد أو التقدم التكنولوجي للدولة بقدر ما يرتبط بوجود نظام وطني منهجي لاكتشاف ورعاية المواهب العلمية منذ مراحل عمرية مبكرة. وهذا ما تمتلكه إيران التي تعتبر نموذجا فريدا في المنطقة في كيفية إعداد نخب علمية قادرة على المنافسة الدولية باستمرار.

يعود فضل هذا التفوق الإيراني إلى مؤسسة قوية تسمى “منظمة المواهب الوطنية” التي تأسست في عام 1976، وهي تمثل العمود الفقري لاستراتيجية إيران في احتضان المتميّزين من شبابها. تعمل  هذه الهيئة كنظام تعليمي موازٍ ومتكامل حيث تنتقي التلاميذ الموهوبين من مختلف أنحاء البلاد عبر اختبارات تنافسية وصارمة تبدأ من السنة  الأولى من مرحلة التعليم المتوسط. والتلاميذ المقبولون لا يلتحقون بمدارس عادية، بل ينتقلون إلى مدارس متخصصة تابعة لهذه الهيئة يتلقون فيها برامج دراسية خاصة في العلوم، سيما الرياضيات والفيزياء، على أيدي مدرّسين ذوي كفاءة عالية.

هذا الفصل المبكر للنخبة وتهيئتها في بيئة محفزة وثرية بالتحديات هو ما يبني قاعدة صلبة تجعل عقول الموهوبين جاهزة للمنافسات الدولية في مرحلة لاحقة من تعليمها. تتبع هذه الهيئة نظاما متكاملا تمتد لسنوات، وتشمل مخيمات تدريبية صيفية وشتوية مكثفة، وبرامج متقدمة، وتحضيرا خاصا للمنافسات الأولمبية العلمية، بدءا من الأولمبياد الوطني وصولا إلى الأولمبياد الدولي. تضمن هذه الرعاية المستمرة والطويلة الأمد استدامة الأداء المتميز وثبوت البلاد في المراتب الأولى عالميا لعقود حيث تتراوح مراكزها باستمرار بين الـ 10 و الـ 20.

4. ترتيب الجزائر المتذبذب

يكشف الفارق بين النموذج السعودي/السوري/الإيراني من جهة، والنموذج الجزائري من جهة أخرى، عن حقيقة لافتة في سياسة رعاية المواهب: فبينما نجح النموذج الأول في تحويل رعاية النخب إلى نظام دولة راسخ يتجاوز تغير الوزراء والظروف السياسية، ظلت التجربة الجزائرية رهينة لاجتهادات فردية وآمال لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.

في الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، كانت هناك محاولتان جادتان على أيدي وزيري التربية عبد اللطيف بابا أحمد عام 2014، ثم محمد واجعوط عام 2021 اللذين أدركا، بنفس المنطق، أن التميّز في المنافسات الأولمبية لا يأتي من فراغ، وأنه يحتاج إلى بناء هرمي يبدأ من المرحلة المتوسطة على الأقل. وقد وضعت عام 2014 خطة طموحة ومتماسكة كانت تهدف إلى إنشاء مسار موازٍ لاكتشاف المواهب الرياضية والعلمية في سنّ مبكرة، على غرار ما تفعله الدول السابقة الذكر. والمحزن أن تلك الخطة ظلت حبيسة الأدراج، ولم تر النور بشكل عملي وفعّال. والأسباب كثيرة، منها تغيّر مسؤولي الإدارات، وضعف الإرادة السياسية، وقلة التمويل، ويتلخص كل ذلك في عدم الإيمان الراسخ بهذه القضية. ومن ثمّ ظلت الجزائر بدون نظام وطني مستدام لرعاية الموهوبين من التلاميذ.

هذا الغياب للنظام المؤسسي يتجسّد بشكل مباشر في الميدان: في دورة 2026، حلت الجزائر في المركز 83 عالميا، وهو ترتيب متواضع لا يعكس إمكانيات البلاد. والأهم من هذا الترتيب هو التقلب في الأداء من سنة لأخرى. قد تحصل الجزائر على ميدالية هنا أو هناك، لكن الفوز بها ليس ثمرة نظام ينتج الميداليات بشكل منهجي ومستدام. بل هو تتويج لجهود فرد من الموهبين ربما اعتنى به معلم أو أستاذ أو ولي أمره في وقت من الأوقات،

يا قوم: نحن نحتاج إلى منظومة وطنية لامركزية تبدأ بالكشف المبكر عن المواهب في كل المدارس عبر اختبارات موحدة، وتوفر مسارا تعليميا خاصا بهم في كل ولاية بمناهج مكثفة ومؤطرين أكفاء، وهيئة مستقلة تتولى رعايتهم وتدريبهم باستمرار حتى الجامعة، وهذا كله لنضمن أن يكون التفوق العلمي عندنا مسارًا دائمًا، لا ومضات عابرة نصفق لها ونهلل حين تضيء، ثم نبحث عن الأعذار ونطأطئ الرأس حين ينطفئ نورها.

مقالات ذات صلة