الأولمبية الدولية ربحت التنظيم ونوعية المشاركة وخسرت أهم قيم المنافسة
بعد أن أسدل الستار على الألعاب الأولمبية بطبعة باريس الفرنسية 2024، هناك إجماع من قبل المشاركين والملاحظين والمتتبعين على نجاح هذه الطبعة وبامتياز من حيث التنظيم سواء خلال مختلف المنافسات الرياضية أم حفلي الافتتاح والاختتام اللذين كانا مبهرين وفيها حضرت لمسة المنظمين والمصممين.
وإذا كان المنظمون قد ربحوا رهان المشاركة القوية والنوعية وربحوا أيضا رهان التنظيم ورسوا بسفينة الأولمبياد إلى بر الأمان وفق ما كان مخططا له،فإن أولمبياد باريس 2024 خسر أهم القيم التي أسست لأجلها هذه الألعاب العالمية، ونعني بذلك تحديدا القيم الإنسانية التي تميز هذه الألعاب، فهذه القيم رميت في البحر وتحولت إلى حبر على ورق بعد أن سمحت اللجنة الأولمبية بمشاركة الكيان الصهيوني الغاصب في هذه الدورة بمنافسين هم في الأساس من المجندين والعسكريين والمستوطنين الهمجيين الذين أثبتت عديد المواقع والصفحات الإلكترونية أن أيديهم كانت ملطخة بدماء الأبرياء من أهل غزة والضفة المحتلتين واللتين تتعرضان للإبادة الجماعية منذ 7 أكتوبر 2024 وإلى غاية اليوم.
كما أن القائمين على اللجنة الأولمبية عجزوا عجزا ذريعا سيسجله التاريخ كتواطؤ أو عجز أو حتى يمكن وصفه بالتخاذل الفاضح في ما يخص الكيل بمكيالين والسماح بمشاركة “كيانٍ” غاصب لم يحترم حتى الهدنة الأولمبية التي تم اعتمادها كتقليد إغريقي قديم وهو المسمى “إيكيتشيريا” أو “الهدنة الأولمبية” منذ القرن الثامن قبل الميلاد، حيث شكل هذا المبدأ المقدس سندا تسند إليه الألعاب الأولمبية. وهذا المبدأ جددت اللجنة الأولمبية تأكيده هذا التقليد في عام 1992، من خلال دعوة سائر الأمم إلى مراعاة هذه الهدنة. وحثت الجمعية العامة الدول الأعضاء في قرارها 48/11 المؤرخ 25 أكتوبر 1993 على وجوب مراعاة الهدنة الأولمبية ابتداء من اليوم السابع قبل افتتاح الألعاب الأولمبية وحتى اليوم السابع الذي يلي اختتامها، ورغم عدم احترام الكيان الصهيوني لهذه الهدنة وارتكابه لمئات المجازر المروعة وقتله للرياضيين الفلسطينيين وتدميره الممنهج لكل ما له علاقة بالرياضة كجزء من تدميره لكل مقومات الحياة في غزة، إلا أن اللجنة الأولمبية وقفت موقف المتفرج والأصم الأبكم إزاء كل ما يحدث وسمحت لما يسمى بـ “رياضي الكيان” الذين هم في الأصل مستوطنون ومجندون في جيش الكيان، بالمشاركة في المنافسات والحضور كجماهير وأيديهم ملطخة بجرائم حرب تضاهي الجرائم النازية في زمن الحرب العالمية.
فهذه المشاركة المشينة لدولة مارقة والتي سمحت بها اللجنة الأولمبية يخالف كل الأعراف والمبادئ الأولمبية وقرار اللجنة في ألعاب باريس يناقض تماما ما طبق على روسيا وبيلاروسيا اللتين حرمتا من المشاركة بحجة ما يحدث في أوكرانيا، كما أن ما حدث للملاكمة الجزائرية إيمان خليف قبل وأثناء وبعد الأولمبياد يعد خرقا آخر للمبادئ الأولمبية واللجنة المشرفة على هذه الألعاب لم تضرب بيد من حديد في هذه القضية خصوصا وأن الجميع يعرف أن من أهم مبادئ الألعاب الأولمبية نبذ التمييز العنصري الذي يدعو صراحة إلى وجوب “الابتعاد عن التمييز العنصري في المنافسة، ومعرفة أنّ كلّ شخص يحقّ له ممارسة الألعاب الرياضية دون تعصب أو تفرقة وتمييز من ناحية اللون، أو العرق، أو الجنس، كما يجب منع التطرف بكافة أشكاله”، وكل هذا لم يحترم مع بطلتنا الجزائرية صاحبة الذهب رغم كل ما تعرضت له وهي منافسة متأهلة ومشاركة في هذه الألعاب الأولمبية المنظمة بباريس. وبالنظر إلى فظاعة هذه النقاط السوداء المسجلة في أولمبياد باريس، فإن الخطر كل الخطر بات يهدد هذه الألعاب العالمية التي طغت عليها مع الأسف وبحسب المحللين والمتتبعين السياسة والمال وبدأت تفقد شيئا فشيئا قيمها النبيلة التي ظلت ولا تزال تمثل الجانب الأجمل والأروع في هذه الألعاب العالمية.