الإبداع والبدعة؟
لا توجد شخصية أكثر إثارة للجدل في ميزان النقد العقائدي طوال تاريخ تراثنا الديني مثل العارف بالله محي الدين بن عربي صاحب “الفتوحات المكية” التي لا يستوعب معانيها سوى من أوتي قدرا عاليا من الصفاء الذهني والقلبي وسلامة الجوارح من المعصية و من كان على هدى و بصيرة.
و لعظمة هذا الرجل الذي كان الجدل حول مقولاته و لازال مستمرا حتى اليوم و سيبقى مستمرا، محلا لقراءات و تأويلات على مسافة بقدر قرب المحللين و بعدهم من الشيخ ابن عربي، فهذه طائفة من المتشيعين و المحبين له يضعونه فوق مرتبة الأنبياء بناء على قوله تعالى “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون”، و بالتالي رسالة الأولياء أدوم و أبقى من رسالة الأنبياء التي توقفت عند حدود الشريعة دون الحقيقة التي هي من اختصاص الأولياء، و بين من يضعونه في زمرة المارقين و الشياطين الحمر الذين حرفوا الدين عن مواضعه و بالتالي كان من الأولى ترك مصنفاته تضيع في عالم النسيان أو حتى حرقها بدل إحيائها و إعادة طبعها و دراستها من جديد لما تحمله من مخاطر على عقيدة المسلمين، و لكن هناك مدرسة أخرى أو صوتا آخر هو في منزلة حضارية و إنسانية شفافة كان يجب الالتفات إليه و الاستماع إليه للاستفادة من تراثنا بالكيفية التي تؤهلنا لأن نكون جزءا أساسيا و فاعلا ايجابيا في هذا العالم الذي ارتفع فيه الصخب الديني بدل الوعي الديني المستنير، فهذا الفيلسوف الفرنسي المسلم المتشبع بتعدد الثقافات رجاء غارودي رحمه الله يعلق على أبيات ابن عربي التي جاء فيها:
لقد صار قلبي قابلا لكل صورة + فمرعى لغزلان و دير رهبان// و بيت لأوثان و كعبة طائف + و ألواح توراة و مصحف قرآن// أدين بدين الحب أنّى توجهت + ركائبه فالحب ديني و إيماني// يقول جارودي: “ان هذا الانفتاح الشامل في الإسلام على كافة الأديان التي ليس كلها إلا لحظات من العطاء في الملحمة الإنسانية، و عملية خلق مستمر ينجزه الإنسان عن طريق الله الذي يسكن فيه، أن هذه الميزة في الإسلام جعلت منه أكبر قوة روحية على الاستيعاب و الأخوة”، نعم هذه هي قراءة الفيلسوف رجاء غارودي للنص الشعري الذي لا يمكن أن يرتقي لقراءته بهذا المستوى مجموعة المتطرفين و التكفيريين الذين ليس لهم زاد في فهم مقامات الشعر العالية و الإبداع الروحاني.
إن أصحاب مدرسة “اتبع و لا تبتدع” و”ما ترك الأوائل ما قد يأتي بالأواخر” و”ليس في الإمكان إبداع أكثر مما كان”، و من ورائهم دعاة أن باب الاجتهاد قد أغلق، هم المتسببون في تخلف الأمة دينيا و حضاريا، بل و حتى أخلاقيا لدرجة الإخلال بالكرامة الإنسانية و بالعقل الذي هو تاج هذه الكرامة، و هل رفع التكليف الشرعي و المدني و رفع القلم عن المجانين إلا لأن عقولهم معطلة، و هل كان بالإمكان فقه الوحي الإلهي و التدبر في معانيه و في خلق الكون بعيدا عن العقل الذي يلقى حربا شرسة هذه الأيام من طرف فقهاء النفط الذين يريدون أن يحل البطن محل العقل ليسهل عليهم التحكم في أتباعهم الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا و الآخرة و مع ذلك يدّعون أنهم يحسنون صنعا من خلال الخطب التخديرية التي يروجونها بين الناس، و إذا ابتليت الجزائر من المخدرات المادية التي تأتي من الجهة الغربية فإنها كذلك ابتليت من المخدرات الدينية و المعنوية التي تأتيها من الجهة الشرقية، و هذا هو حال الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و العياذ بالله.
إن الخلط الذي يقع فيه التيار الديني عموما و السلفي بالخصوص، هو أنهم لا يفرقون بين الإبداع و البدعة و يجعلون الكل في سلة جحيم الضلالة و الزيغ عن الدين، و ما ذلك إلا لغرقهم في التقليد و التعصب للسلف حسب زعمهم، رغم أن السلف الصالح القريب من عهد النبوة كان أكثر انفتاحا و تحررا و تمردا على بعض القضايا المختلف حولها و التي لا علاقة لها بثواب العقيدة و ما هو معلوم من الدين بالضرورة، و إذا حدثت تجاوزات فإنها في الغالب لدواعي و خلفيات سياسية، هذا و لم تفهم البدعة على أنها كلها ضلالة يجب ردها، بل كانت مساحة من المرونة في إقرار بعض البدع التي حملت على قاعدة الحديث الشريف “من سن سنة حسنة له أجرها و أجر من عمل بها و من سن سنة سيئة له وزرها و وزر من عملها”، و هذا المنهج له مرجعيته و قاعدته التي يستند إليها و هي “كل حلال إلا ما حرم”، و هذا يعني بأن دائرة الحلال أوسع من دائرة الحرام و ليس العكسو و لكن بشرط ألا نسقط في دائرة الحلال المقزز الذي يتعارض مع الذوق السليم أو التوسع في فتح باب الذرائع لدرج التعارض مع شرف المروءة التي أهدرها الطمع في بعض المواقع من رجال السلطة و رجال المال و الأعمال، و لكن ما يجب التنبيه له هو أنه حينما ننتصر للعقل فهذا لا يعني أننا ندعو للانقلاب على النص المقدس أو على النقل كما تدعو لذلك مدرسة الاستشراق وأتباعهم من الحداثيين العرب، و إنما نريد إحياء مدرسة ابن رشد و منهجه الذي وضعه في فصل المقال فيما بين الشريعة و الحكمة من اتصال.
يعرف اللغوي أحمد بن فارس بن زكريا صاحب “معجم مقاييس اللغة”، بدع بالقول: “أبدعت الشيء قولا أو فعلا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال، و الله بديع السموات و الأرض”، و في هذا السياق نتوقف عند المقال الرائع الذي كتبه الأديب الدكتور السعيد بوطاجين بعنوان “كاتب ياسين و عباد الله”، فهو يقول: “لقد فسر العلمانيون و الإسلاميون أعمالا أدبية لم يطلعوا عليها، و ذاك ما أسميته في وقت سابق: القراءة بالأذن، و لو حدث و أن اطلعوا على محمد خذ حقيبتك لما وصلوا إلى تلك الحماقات الدالة على جهل كبير بالأعمال الأدبية و مقاصدها، إلى أن يصل بالقول… لم تعد المسألة متعلقة بالفهم، بل بالقراءة في حد ذاتها، عباد الله الذين لا يقرأون قاموا بتفسير و تأويل منجز سردي و مسرحي لا علاقة لهم به أساسا…”، إذن المسألة في حاجة الخرج المعرفي وفي حاجة إلى مراجعة ثقافية و دينية و بالخصوص عند أولئك الذين يريدون احتكار فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هم أبعد الناس عن التمييز بين ما هو معروف و ما هو منكر و على جميع المستويات و بالخصوص ذات العلاقة بالإبداع الذي يتطلب تكوينا و تركيبة خاصة لا يرقى إليها من غرق في الاعتكاف على قراءة الحواشي و الكتب الصفراء لذي لا تخلق إلا البلادة و الغرق في القشور دون لباب الأسئلة المطروحة علينا.
رغم اختلافي و اعتراضي على كثير من الأفكار و المواقف التي أبداها أدونيس، و قد عبرت عنها في العديد من ومقالاتي السابقة، و لم أقلل يوما من شأن هذه الشخصية المثقفة التي لا يمكن أن أضع نفسي معها في مقام واحد، و لكن للأسف الشديد حضر هذه الشجاعة غير الأدبية عند من سرق مصطلح زعيم الصحوة في بلادنا ليعلن الحرب على أدونيس و يطالب بحرق كتبه، لأنه أصدر قصيدة تسيء للدين، و الخطير أنه لما وصل الخبر المزلزل لأدونيس أعلن و دون تجاهل للأمر الجلل الذي لا يجب التهاون معه، تبرؤه من هذه القصيدة التي نسبت إليه زورا و بهتانا لغاية غير نبيلة في نفس أصحابها، موضحا كذلك بأنه حتى الأسلوب الذي كتبت به هو بعيد عن أسلوبه في الكتابة الشعرية، و لكن زعيم سارق الصحوة الذي لا يمكن أن يكون له نصيب من الشعر و الأدب يصر بكل حماقة و وقاحة و بطريق تتنافى مع الشرع الإسلامي الذي يدعي المرافعة لأجله بأن القصيدة هي فعلا لأدونيس، و لكن هذه طريقة أدونيس و أمثاله، فكلما حشرتهم ردود الأفعال التي تعريهم أمام الرأي العام الذي ينفر منها إلا و تنكروا لكتاباتهم و تنصلوا منها…، أرأيتم كيف يتم القفز على الحقائق و التمادي في تحميل التهم للخصوم و لو بالبهتان، و هل فعلا قرأ زعيم “سارق الصحوة” و أمثاله من مدرسة السلفية الوهابية المتخلفة أشعار أدونيس التي استعصى على فهمها و فك شفرتها حتى كبار النقاد من الأدباء، بل و هل لهم ذوق شعري أو روائي أو قصصي أصلا، و لكن الحقيقة التي لم يجاهر بها عدو الإبداع و المبدعين الذين لا نقر بكل ما يقدموه لنا و إنما نرد على ذلك بالحكمة و الموعظة الحسنة في حدود ما تسمح به إمكاناتنا في استيعاب فنون الإبداع، هو أن أدونيس بالرغم من انتمائه لمدرسة الحداثة و العقلانية ينظر له على أنه الخصم التقليدي للسلفيين بحكم انتمائه للطائفة الشيعية و تأييده للثورة الإسلامية الإيرانية و رثائه للإمام الخميني و مهادنته للرئيس بشار الأسد، و هذا الديوان السياسي كله تتعارض قصائده جذريا مع ديوان السلفية الوهابية التي لا تحترم مبدأ حرية الرأي و التفكير و الإبداع و التسامح الديني و حرية المعتقد و التعددية التي تعتبرها رجزا من عمل الشيطان و بدعة ما أنزل بها من سلطان!