الشروق العربي

“الإخصاء” هو الحل؟

الشروق أونلاين
  • 2685
  • 0

يعود الحديث بقوة عن ظاهرة التحرّش الجنسي في البلدان العربية والإسلامية، خاصة في الأعياد والمناسبات، وكذا في أعقاب فترة شهر رمضان المعظم، حيث تنفلت المكبوتات من عقالها، وتكون المناسبات العامة أين الازدحام والاختلاط أماكن مفضّلة لمثل هذه “الهواية” التي تشغل بال الكثيرين في عالمنا العربي، والذي يعيش المكبوتات الجنسية، كجزئية من مجموع المكبوتات الأخرى خاصة منها “المكبوتات السياسية”، وانعدام حرية تفريغ المطالب وسقوط الكثير من الحقوق الآدمية، وعلى رأسها الحق في الزواج وتكوين أسرة وتحقيق “الحصانة الجنسية”.

  الظاهرة منتشرة بقوة في كل مكان حولنا، إذ تحتل الدول العربية المراتب الأولى عالميا من حيث التحرّش بالنساء في الشوارع والحافلات والقطارات و”الميترو” وباقي المناطق المزدحمة، لكنها مع ذلك تبقى حديثا غرائبيا “في الممنوع”، وعلى الرغم من العقوبات التي دأبت البرلمانات العربية على تشديدها ضد المتحرشين، سواءً في الجزائر أو المغرب أو مصر التي تجاوزت بها الظاهرة كل حدود المعقول، ووصول العقوبات إلى حد السجن بين 6 أشهر وخمس سنوات، إلا أنّ الوضع لم يتغيّر كثيرا عمليا، الأمر الذي بدأ يدفع باتجاه حلول مجنونة، واقتراحات أو مشاريع قوانين لا تقل تحرّشا عن عملية التحرش الجنسي نفسها، بسبب الغياب شبه التام لفهم الظاهرة ودلالاتها النفسية والسوسيولوجية، بالنظر إلى قلة الدراسات المتخصصة في هذا المجال .

ولعل من أبرز الدراسات الحديثة في هذا الشأن، ما نشرته منظمة “بروموندو” لمعرفة دوافع التحرش الجنسي في البلدان العربية، والتي كانت نتائجها صادمة، ومنها أنّ 64 من المائة من الرجال في مصر اعترفوا بممارسة التحرش بطريقة أو بأخرى، وأنّ من الأسباب البارزة للتحرش هو ارتفاع معدلات البطالة والفراغ والفشل في تلبية المطالب الأسرية وكذا المشاكل السياسية التي تعرفها تلك الدول.. بينما تشير دراسة أخرى أعدتها الأمم المتحدة إلى أنّ 99.3% من العينة التي أجريت عليها الدراسة من النساء في مصر تعرّضت للتحرش لمرة واحدة على الأقل بمختلف درجات التحرش، بدءاً من النظرة وصولا للملامسة الجسدية والاغتصاب، غير أنّ الأسباب الحقيقية برأيي لم يتم الاقتراب منها بعد، بسبب أنّ القائمين على مثل هذه الدراسات غرباء عن الواقع العربي وتعقيدات الوضع، خاصة في جوانبه الدينية، مع فرض أنماط غربية غير ملائمة في قضايا الزواج وسن الرشد والتعدد والنفقة والمسكن الزوجية علاوة على التراجع الأخلاقي العام.

 محاولات الفهم هذه تؤول في الغالب إلى الفشل، أو إلى ملامسة ظاهر الأشياء دون سبر أغوار المشكلة، فالعقوبات الرادعة التي شرعت الجزائر مثلا في تطبيقها أو المغرب ومصر، لم تقلل من حدة التحرش، بل على العكس من ذلك، الظاهرة في تزايد مستمر كأنها طوفان عظيم، بل إنّ ما نعرفه من تحرش كلاسيكي يمارسه الرجل علانية أحيانا، وجد ما يوازيه من تحرش “أنثوي ستايل”، من خلال التحرش الإلكتروني أو “الفايسبوكي”، بتقنيات حديثة وغاية في الدهاء والخبث، من تسجيلات صوتية أو التقاط صور مخلة بالآداب ونشرها بهدف التشهير أو الابتزاز، ما نبّه بعض المشرعين خاصة في بلد كالمملكة العربية السعودية، إلى اعتماد عقوبة التحرش للجنسين، فقد تكون المرأة متحرشة أيضا، بطريقتها الخاصة طبعا، ولا يتطلب الأمر الخروج للشوارع وممارسة “الطرق الذكورية”.

وأمام هذا الوضع المعقد، وفقدان الحيلة في إيجاد الحلول الناجعة للظاهرة، سمعنا عن حلول مجنونة كالتي طرحتها النائب المصرية، زينب سالم، التي أعدت مقترح مشروع ينص على “إخصاء المتحرشين”، مما أثار جدلا واسعا في الأوساط الحقوقية والسياسية، وتم اعتباره عقوبة قاسية جدا، لا تتوافق مع الجرم المرتكب، غير أنّ هذا المقترح وإن كان جديدا في العالم العربي، إلا أنه ليس جديدا في الغرب، فما يسمى “الإخصاء الجراحي” أو “الكيميائي” هو عقوبة موجودة بالفعل في عدة ولايات أمريكية، لكنها عقوبة قصوى لا تطبّق إلا على المغتصبين، في حين تقدم هذه العقوبة في بعض الولايات مثل أوهايو وإلينوي وأركنساس كبديل عن عقوبة السجن المؤبد في قضايا الاغتصاب، في حين تلجأ ولاية كولورادو مثلا إلى إعطاء عقاقير “مثبطة” لمن اعتادوا على التحرش.

فهل الحل في إخصاء المتحرشين فعلا؟ وهل نخاطر بأن نحوّل مجتمعاتنا “المخصية” سياسيا واقتصاديا وثقافيا .. إلى مجتمعات مخصية جنسيا؟ علما أنّ الفحولة بقيت آخر سلاح في يد العرب لمواجهة اليأس وقوارب الموت؟ ثم ما هي عقوبة المرأة المتحرشة في هذه الحالة بالذات؟

لست مطالبة بالإجابة عن هذه الأسئلة التي أعجزت الحكومات والدول، لكنها برأيي مادة خصبة للتفكير، فربما إذا حللنا هذه العقدة، انفرجت باقي أزماتنا الأخرى انفراجا آليا.

مقالات ذات صلة