الإخوان المسلمون.. والطائفية
قد تتفق مع الإخوان المسلمين في هذا الموقف وتختلف معهم في ذاك، وقد يرضيك أسلوبهم أو تنفر منه، وقد يروقك أن تكون في صفوفهم أو ترى أنك خصم لهم، وقد تحكم عليهم بأنهم دعاة دين وحملة رسالة، أو أنك لا ترى فيهم إلا اصحاب أهداف سياسية.. ومع هذا كله، فهناك ما لا يمكن أن تنكره عليهم، بل تراهم منفردين في التميز به متحملين أعباءه وهم فيه رواد بحق..
ومن أبرز هذه المعالم بنيتهم النفسية والفكرية والدعوية لوحدة الأمة، وتجاوزهم للمسائل الخلافية بين طوائفها وفئاتها، وإنكارهم الخوض في الخلافات مدحا أو قدحا.. فكانوا بحق قوة حقيقية في المجتمعات المسلمة لتجنيب الوعي الشعبي والنخبوي إفرازات التمذهب والتفرق الطائفي.
ومن هنا، أحببت أن أقدم إشارات إلى دورهم في صنع رأي إسلامي عام لتجنيب الأمة وبال التفرقة، وفي حدود مقال لصحيفة لا يمكن أن أتوسع لذكر معظم ما قيل أو تم إنجازه على هذا الصعيد، ولكن لا بأس من إشارات علها تلقي الضوء على واحد من أهم عناصر النهضة: إنها روح الوحدة.
لقد كان حسن البنا إماما بكل ما تعنيه الكلمة. وقد وهبه الله صفات على الصعيد النفسي والروحي واليقظة العقلية والفطنة، قلما اجتمعت لغيره. وكان الرجل لم يخضع لأي اختراق من مردودات الثقافة السائدة السيئة، ولم يتعرض لأي غزة فكري ونفسي، بل كان ذا همة عالية متجاوزة الواقع واستحقاقاته النفسية والفكرية.. كان سريع الفهم وعميقه.. وكان عالي الهمة وحكيمها وشديد العزيمة كالسهم منفلتا نحو عين الشمس.
أدرك هذا الشاب بحسه القرآني أن أحد أسباب هوان الأمة هو ما تكرس فيها من فرقة مذهبية وقومية، فانطلق يشق طريق الوحدة بفكره وبجماعة ينشئها على الوحدة ويجعل أحد أصول البيعة فيها التعهد بتوحيد فرق الأمة وطوائفها.. وتحرك على صعيد الأمة بالإسهام والتأسيس لدار التقريب بين أهل السنة والشيعة. وكان له الدور البارز في ذلك.
يقول آية الله القمي، وهو أحد مؤسسي دار التقريب بين السنة والشيعة: “كان حسن البنا جبلا شامخا فى همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه. كان يحمل همّ التقريب بين مذاهب المسلمين انطلاقا من هدفه الذى كان يعيشه بكل وجوده، وهو عودة الأمة المسلمة إلى عزتها وكرامتها ومكانتها على الساحة التاريخية، فهى الجماعة السلفية الوحيدة التى ترفض التعصب الطائفى وتقيم علاقاتها على أساس الإسلام وحده لا المذهب، ولا تعير أهمية للخلافات المذهبية. الشيخ البنا هو الذى سمّى الدار، دار التقريب، وحملت الجماعة والدار اسم التقريب، بناء على اقتراح هذا الشيخ التقى المجاهد”.
يقول محمود عبد الحليم عضو اللجنة التأسيسية للإخوان المسلمين: “كانت الطائفة الشيعية على كثرتها تعيش فى عزلة تامة عن أهل السنة.. كأنهما من دينين مختلفين.. مع أن هذه الطائفة تضم قوما من أكرم العناصر المسلمة ذات التاريخ المجيد والغيرة على الإسلام والذود عن حياضه”.. وأضاف: “وقد رأى حسن البنا أن الوقت قد حان لتوجيه الدعوة إلى طائفة الشيعة، فمد يده إليهم أن هلموا إلينا.. ولو كانت الظروف قد أمهلت حسن البنا لتم مزج هذه الطائفة بالطوائف السنية مزجا عاد على البلاد الإسلامية بأعظم الخيرات”.
إن الرجل اقتبس فكرته من حركة “جمال الدين الأفغانى”، الذى يعد رائد دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية.. وفى شهادة “جمعة أمين عبد العزيز”، أحد مفكرى الإخوان المسلمين يقول: “وقد تزعم هذه الدعوة فى بدايتها الإمام جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده.. ثم أخذت الدعوة شكلا جماعيا بعد ذلك فنشأت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التى شارك فيها الإمام البنا”.
وكما قال من قبل “هادى خسروشاهي”، رئيس مركز البحوث الإسلامية: “كان نشاط حسن البنا ونهضته فى المبادئ ومفاهيمها المطروحة فى الواقع مكملا للتيار الإسلامى السابق له، والذى كان قد بدأه السيد جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني، فى أواخر القرن التاسع عشر”.
يقول “محمود غزلان”، عضو مكتب الإرشاد بالجماعة فى مقال له بعنوان “مرة أخرى نحن والشيعة”: “أما موقفنا من إيران وما يصدر عنها فينبغى أن نفرِق فيه بين أمرين: المواقف السياسية، والمذهب الشيعى.. فالمواقف السياسية ينبغى أن نقيسها على قيم الحرية والحق والعدل.. أما موقفنا من المذهب الشيعى فنحن نميل إلى عدم التعرض له بالقدح أو المدح”! بل إن “محمد مهدي عاكف”، المرشد العام السابق فقال بوضوح فى حوار له بصحيفة المصري اليوم فى 19 مارس 2009: “إيران دولة شيعية، والشيعة ليست مذهبا دينيا، بل سياسي، ومن ثم نتعامل معها على أنَها دولة سياسية لا مذهبية”.
ذكر يوسف ندا القيادي الإخواني الكبير فى لقاء له على قناة الجزيرة بأن: “الإخوان المسلمون شكلوا وفدا التقى بالخميني فى باريس قبل عودته إلى إيران لتشجيعه ودعمه، وأن التنظيم كان على علاقة بأعضاء من مجموعات الخميني قبل الثورة الإيرانية، وكانت تتم بينهم لقاءات فى أمريكا وأوروبا و كانت الطائرة التى تقل وفد “الجماعة” هي الطائرة الثالثة التى تهبط في مطار طهران.. بعد طائرة الخميني وطائرة أخرى أقلت ياسر عرفات”..
وبتأمل تصريحات قادة الإخوان المسلمين في مصر من الأستاذ عمر التلمساني حتى مهدي عاكف مرورا بمصطفى مشهور نرى موقفا واضحا جليا يتجاوز مسألة الطائفية ويجعلها وراء ظهره في التعامل مع الشيعة وإيران.. وكان لكلمات ممثل الإخوان المسلمين في الاحتفال بذكرى انتصار الثورة الإسلامية الذي أقيم بالقاهرة في 12 فبراير 2013 أثر بالغ إذ ترضى على الإمام الخميني واعتبر ثورته هي بداية انطلاق عزة الإسلام ودورته الجديدة.
المرشد الأعلى الحالى فى إيران، السيد “خامنئي”، كان قد ترجم كتابين لـ”سيد قطب” إلى اللغة الفارسية عام 1979.. أما “علي أكبر ولايتي”، الأمين العام للمجمع العالمى للصحوة الإسلامية ومستشار “خامنئي” فى مقابلة له مع وكالة أنباء مهر الإيرانية فيقول: “طبعا كان لإيران ومصر أثر متبادل، فكما كان للسيد جمال الدين دور في نشوء الصحوة الاسلامية في مصر، فكذلك ترك الإخوان المسلمون فى وقتهم أثرا على الحركات الإسلامية فى إيران.. إن سماحة قائد الثورة قام قبل الثورة بترجمة عدد من كتب سيد قطب إلى الفارسية”.
فى دراسة أعدها السيد محمد على آزرشب، وهو مفكر إيراني مشهور، كشف عن ذكريات الشيخ محمد تقي القمي مع حسن البنا: “ولا بأس أن أذكر إحدى ذكريات الشيخ القمي فى هذا المجال، بعد حادثة إعدام السيد أبو طالب اليزدى فى الحجاز عمدت دار التقريب إلى نشر مناسك الحج على المذاهب الخمسة أي مذاهب أهل السنة الأربعة ومذهب الشيعة الإمامية، من أجل إزالة ما علق فى الأذهان تجاه الشيعة إثر التشويش الذى حدث بعد إعدام السيد الإيراني وما كان بالإمكان إدخال هذه المناسك إلى السعودية لتوزيعها فى موسم الحج، ولكن الشيخ حسن البنا وجد الطريق إلى ذلك، فطبع كل هذه المناسك في صحيفته، وأدخلها فى موسم الحج إلى السعودية، وتوزعت بين الحجاج، وفي تلك السنة حجّ الشيخ حسن البنا، والتقى في أيام الحج بالعالم المجاهد آية اللّه أبو القاسم الكاشاني الزعيم الديني لحركة تأميم النفط في إيران”. وبمناسبة الحديث عن الشيخ حسن البنا يذكر الشيخ القمي استشهاد البنا “رحمه الله”: وسط الظلام امتدت الأيدي الآثمة لتصفي هذا الداعية الكبير. وقد تكون هذه الأيدي هي التى صفَّت الشيخ المدني فى الكويت ثم الشيخ القمي نفسه في باريس”.
ويضيف هذا الباحث: “قد ظل التأثير والتلاقح الفكري يسير على قدم وساق بينهما خصوصا أن سيد قطب قد ترك تأثيرا كبيرا في كتابات العالم الشيعي الكبير محمد باقر الصدر، خصوصا عندما كتب كتابه “فلسفتنا” وكتابه “اقتصادنا”.
بل إن مفاجأة كبيرة فجرها الدكتور العلامة إسحاق موسى الحسيني فى كتابه “الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة”، حينما قال: “إن بعض الطلاب الشيعة الذين كانوا يدرسون فى مصر قد انضموا إلى جماعة الإخوان”. هذا والجميع يعلم بأن حركة الإخوان المسلمين باليمن تضم إليها شيعة زيدية بنسبة ظاهرة كبيرة.. كما انضم كثير من الطلبة الإيرانيين الشيعة في الاتحادات الطلابية الإخوانية في أمريكا وأروبا.
ويتحدث خسرو شاهي عن لقاء البنا بآية الله كاشاني: “والنقطة الأخرى في هذا الجانب هي لقاء الشيخ حسن البنا مع آية الله كاشاني في زيارة الحج هذه، وبعد إجرائهما الحوار قرَّرا عقد مؤتمر إسلامي في طهران تشارك فيه شخصيات من العالم الإسلامي”.
يقول سالم البهنساوي، أحد مفكري الإخوان المسلمين: “منذ أن تكونت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية والتي أسهم فيها الإمام البنا والإمام القمي والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة، وقد أدى ذلك إلى زيارة الإمام نواب صفوي سنة 1954 إلى القاهرة، ولا غرو فى ذلك فمناهج الجماعتين تؤدي إلى هذا التعاون”. ومراجعة أدبيات جماعة “فدائيان إسلام” للقائد الشهيد نواب صفوي يتأكد بأنها صفحات كتب المفكر الإخواني سيد قطب.
أجل لقد ألزمت جماعة الإخوان المسلمين نفسها بالنأي عن الخلافات المذهبية والقومية والوطنية ورأت في المسلمين أمة واحدة وفي الإسلام وحده هويتها الحضارية.