الرأي

الإخوان المسلمون والمملكة السعودية

الشروق أونلاين
  • 3004
  • 19

لقد صدمت تصريحات الأمير نايف الجميع بوضع جماعة الإخوان المسلمين على رأس قائمة الارهاب.. لم يسبق من الإخوان المسلمين اي تصرف فيه اشتباك مع المملكة السعودية، بل كان حرصهم عظيما ان تستمر علاقات المودة بينهم والمملكة.. فمنذ لحظة انطلاقهم أدرك الإخوان المسلمون قيمة بلاد الحجاز لدعوتهم على المستوى العقائدي والسياسي والدعوي على اعتبار ان حركتهم حركة إحياء واستئناف للحياة الاسلامية والوحدة الاسلامية.. ولأن بلاد الحجاز بما تحويه من مقدسات رمزية للمسلمين كانت عينا حسن البنا القائد الفذ النابه تثقب الحجب نحو الأرض الحرام.. ورغم ان حكومة المملكة المصرية مدفوعة من الموقف البريطاني كانت على تنافر مع السعودية، بل لم تكن لتعترف بها.. أصر البنا على إقامة علاقة متميزة مع المملكة السعودية.

وشهد اعلام الإخوان المسلمين ترحيبا بالمملكة السعودية رسميا وشعبيا، وقد تمكن البنا من القاء كلمة الضيوف في محضر الملك عبدالعزيز وهو شاب لم يتجاوز عمره ربع قرن من الزمن.. وكانت ادبيات الإخوان لا تخفي إعجابا بقدرة السعوديين على توحيد البلاد في مملكة مترامية الأطراف.. ولما زار البنا المملكة السعودية لأداء مناسك الحج تم استقباله بحفاوة بالغة ورحبت به الصحف السعودية بالذات صحيفة أم القرى التي وصفته بضيف المملكة العزيز.. واستقبله الملك عبدالعزيز وطرح عليه البنا إذاك رغبته في فتح مقر للإخوان المسلمين في السعودية، الأمر الذي رفضه الملك ببراعة قائلا للبنا كلنا إخوان مسلمون ولسنا بحاجة إلى مقر لجماعة الإخوان المسلمين.

استفاد البنا من علاقته بالمملكة استفادة بالغة، حيث اعتبر موسم الحج مناسبة عظيمة لشرح فكرته التجديدية على وفود الحجاج القادمين من البلاد الاسلامية، وفي هذا الموسم الكبير التقى بالهنود والأتراك والباكستانيين والإيرانيين، كما التقى بوفود البلاد العربية وعرض فكرته على الجميع الملخصة بالوحدة بين ابناء الأمة والنهضة وإعادة حكم الاسلام في شؤون الحياة كلها.. ووجدت فكرته رواجا مذهلا، وشكل اصحابه الذين رافقوه فريقا دءوبا وصل إلى اهدافه بسرعة.

وظلت المملكة على ترحيبها بالإخوان المسلمين وبشيخهم حسن البنا حتى قام الإخوان بثورتهم في اليمن وتبني الإمام حسن البنا محاولة الانقلاب التي قادها الفضيل الورتلاني على الحكم الإمامي هناك.. حينها أدرك السعوديون ان البنا ليس بالرجل السهل الذي يمكن احتواءه بالترحيب والإكرام، انما هو رجل لديه مشروع ويحول كل الفرص لصالحه.. شعرت المملكة ان البنا يلعب في ملعبها الحيوي وبجوارها فبدت البغضاء من قبلها نحو الإخوان وفترت العلاقة واصبح الشك هو سيد الموقف، واستمرت كذلك حتى حدوث ثورة الجيش المصري على فاروق وما تبع ذلك من صدامات بين الإخوان والنظام العسكري في مصر.. لقد زار الإمام حسن الهضيبي المملكة حاجا إلى الديار المقدسة ولقي من الترحيب ما يعني ان هناك صفحة جديدة بين الإخوان والمملكة.. وفي الستينات توافق ذلك مع بروز نجم فيصل بن عبد العزيز، والذي كان يرى في الصهيونية والشيوعية وجهان لعملة واحدة في الهجوم على الأمة ورأى في عبدالناصر مروجا لأفكار هدامة في البلاد العربية فأخذ على عاتقه بالتصدي له.. كانت حاجة السعودية للمعلمين ماسة فوجدت في شباب الإخوان فرصتها، حيث قاموا بواجبهم الواسع على اكمل وجه.. وفتح الملك فيصل للإخوان مجالات للنشاط والمأوى وظلت العلاقة هكذا في تواد.

حتى جاءت عدة محطات كانت تبرز ان الالتقاء بين الطرفين ليس استراتيجيا، كان اولها قيام الثورة الإيرانية، حيث لقيت ترحيبا كبيرا من قبل الإخوان المسلمين، ووجدت تشككا واسعا من قبل السعوديين الذين زودوا العراق بكل قوة لإسقاطها.. وازداد الأمر سوءا بين الإخوان والمملكة في اعقاب غزو الجيش العراقي للكويت، واصبح الموقف العربي الرسمي بقيادة مصر مستدعيا للقوات الأجنبية لدخول المنطقة، حينذاك رفض الإخوان المسلمون دخول الأجانب بلاد المسلمين ووقفوا دفاعا عن العراق عندما استهدف من قبل القوى الغربية.. كانت هذه نقطة افتراق رئيسية بين الأخوان والسعودية.

لقد اصبح يقينا لدى المملكة السعودية ان الإخوان حركة لا يمكن احتواءها، وهذا هو ما يفجر لها عداوات مع المتنفذين في المنطقة.. واصبح يقينا لدى السعوديين ان الإخوان يشتغلون لمشروع لهم، وانهم يحاولون تمثيل المرجعية داخل الأمة لاسيما داخل السنة.. ورغم تقاطعات سياسية بين الطرفين، الا ان مرجعياتهما مختلفة، بل متناقضة، الأمر الذي يفسر الموقف السعودي.

لقد صمت الإخوان وهم يرون المملكة تزود الانقلاب في مصر بمليارات الدولارات، وتمكن له، وكظم الإخوان غيظهم، الا ان المملكة تحركت بسعار غير مفهوم للكثيرين.. وعلى رأس كل اولئك، الصراع الخفي على مرجعية الأمة والسنة بالذات، وما يترتب على ذلك من مواقف تجاه المذاهب وأهلها في الأمة، حيث يرى الإخوان المسلمون ان الأمة واحدة رغم اختلافاتها في التأويل.

تكون حركة الإخوان حققت انتصارا كبيرا بتحررها من العلاقة مع المملكة السعودية، فما شان مواقفها شيء كما فعل تقاربها من المملكة.. ولعل ضارة نافعة.

مقالات ذات صلة