الإخوة الأعداء!
لا يمكن أن نختلف حينما نقول ونؤكد بأن الإسلام السياسي قد بدأت تتشكل نواته الأولى خلال فترة الخلافة الراشدة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وبالخصوص حينما تم التمرد على سلطة أبي بكر الصديق، وامتناع طائفة من الأمة الإسلامية عن تقديم الزكاة لولي الأمر، فكان ما أصبح يطلق عليه اليوم”حروب الردة” التي فسرها البعض على أنها كانت على خلفية سياسية وليست عقائدية.
الأمر نفسه يمكن قوله حول مقتل عمر وعثمان، ولكن الفتنة الكبرى التي وقعت فيها الأمة إلى درجة الاستقطاب، كما يقال اليوم بلغة العصر، هي المحطة التي تولى فيها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والتي ظهر فيها على مسرح الأحداث، ما يسمى بفرقة الخوارج التي لم تعترف بشرعية علي، هذه اللاشرعية في اعتقادهم، هي التي تسبّبت في الاستهانة بدم علي الزكي إلى درجة إزهاق روحه وروح ابنه حفيد رسول الله الحسين عليه السلام، ومن وقتها لم تعد حُرمة لدم المسلم مهما كان مقامه، سواء أكان قائدا سياسيا أو عالما أو شيخا كبيرا أو صبيا أو رجلا أو امرأة، إنها عقيدة“الغاية تبرر الوسيلة” التي كثيرا ما يجد لها أصحابها السند الشرعي لتبرير جرائمهم.
حينما نشير إلى الاستقطاب المبكر بين المسلمين، فهذا يجرنا للحديث حول الصراع الذي تعمق بين السنة والشيعة الذي في الغالب دوافعه سياسية، وإلا كيف نفسر الصراع السني– السني، والشيعي– الشيعي، إلى درجة التكفير والتخوين والتقتيل؟ كما أننا نجد كذلك من الجانب الآخر تحالفات سنية– شيعية على حساب الطائفة والمذهب، وإذا أخذنا حركة حماس كمثال على ذلك فهي على خلاف مع العديد من الحركات الإسلامية والأنظمة العربية السنية بما فيها السعودية في الفترة الأخيرة، بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي بمصر وتحالف التيار السلفي الوهابي مع الجنرال السيسي ضد الإخوان، وعلى توافق مع حزب الله ودولة إيران الشيعية التي سادها فيما بعد الجمود بعد الثورة على نظام بشار الأسد بسوريا، حيث صرح أحد القياديين بحماس:”إذا كنا عوناً لسوريا في الخير فلا يمكن أن نكون لها عوناً في الشر“.
ولكن في كل الحالات لا بد من التسليم بأن وضع حماس صعب وحرج، وأي موقف تتخذه إلا وتبعاته تكون مكلفة، بدليل أن الأحداث التي كانت أكبر من إمكانياتها قد وضعتها في دائرة جد ضيقة، فهي بين فكي كماشة تعاني مرارة الأخ والجار المصري، ومن جهة أخرى في مواجهة مفتوحة مع العدو التاريخي إسرائيل التي تتحكم في كل مفاصل الحياة التي يحتاجها الغزاوي والفلسطيني عموما، كما أن علاقتها السياسية مع السعودية، راعية السلفية الوهابية، متدهورة والدولة الإيرانية متأرجحة بسبب الوضع المتفجر في سوريا.
تتحدث بعض المصادر بأن من أسباب مقتل الإمام الشهيد حسن البنا هي سياسة الحوار والتقارب التي كانت تشغله بين السنة والشيعة وضرورة وحدة المسلمين تحت راية واحدة، علما بأنه التقى بآية الله الكاشاني خلال أدائه لمناسك الحج سنة 1948 واتفقا على توحيد كلمة وصفوف المسلمين، وقد نُقل عن المرشد المرحوم عمر التلمساني أن الشهيد البنا قال في إحدى وصاياه التي تركها للجماعة:”اعلموا أن أهل السنة والشيعة وعلى التقاء مسلمون تجمعهم كلمة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا أصل العقيدة السنة والشيعة فيه سواء..”.
ويذكر التلمساني رحمه في كتابه “الملهم الموهوب” بأن البنا كان شديد الحرص على توحيد المسلمين، ومن أنه كان يرمي إلى مؤتمر يجمع الفِرق الإسلامية لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمر يحول بينهم وبين تكفير بعضهم… ولكن ماذا اليوم عن هذه المشاريع التي لا يقوى على حملها وعلى أدائها والتضحية من أجلها سوى الربانيين الذين أوتوا العزيمة والحكمة؟ وإني لأراهم في هذا الزمان لقليل وغرباء وسط موجة التخوين والتكفير التي هيمنت على حياتنا السياسية والفكرية وبرعاية وتحالف البترودولار السعودي والمرجعية السلفية الوهابية التي تتهم حتى التيار الإخواني الوسطي هو كذلك بـ“الضلال” وأنه ليس من أهل السنة والجماعة، فحينما سُئل الشيخ الألباني عن إمكانية الجمع بين السلفية والمنهج الاخواني، قال:”الجمع بين السلفية والاخوانية كالجمع بين الصواب والخطأ، إن لم أقل بين الهدى والضلال” الموقف نفسه أو أشد منه تطرفا كان للشيخ المرحوم ابن باز الذي أخرج الإخوان من أهل السنة والجماعة.
في مثل مواقف كهذه، لا تجد الرحمة في الاختلاف، وهذا لمسه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله خلال إقامته بالسعودية، والذي عبّر عنه بالقول“إنني لاحظت ما رابني وأعياني، هناك شيوخ على عقولهم إغلاق، وفي قلوبهم قسوة، يتعصبون للقليل الذي يعرفون، ويتنكرون للكثير الذي يجهلون…” .
إذن، فنحن اليوم في أمسّ الحاجة أكثر من أي وقت مضى لمرجعيات من وزن الإمام المغيّب موسى الصدر الذي دعا في محاضرته الشهيرة بملتقى الفكر الإسلامي بتيزي وزو إلى تجاوز الخلافات بين المسلمين والتطلع إلى المستقبل ومواجهة تحديات العصر ككتلة إسلامية، حتى وإن اقتضى الأمر مراجعة القواعد الفقهية والعقائدية لتكون موحّدة للجميع، وهنا عقب الشيخ أبو زهرة بالقول: “كنت أعتقد أنه نحن السنة، ولكن بعدما استمعت لقول الشيخ موسى الصدر وجدت بأن الشيعة هم السنة، ولكن للأسف بعدما غابت هذه القامات من الساحة العلمية والإعلامية حلت محلها أقزامٌ تنفخ في نار الفتنة التي لم تعد نائمة، وبعدما نامت بل وماتت الحكمة التي لم نعد ننشدها”.