الإرهاب والكرة؟
من الانتصارات التي حققتها الجزائر في معركة “تيڤنتورين” هو اقتناع الشعب بكل فئاته بالمخاطر التي تهدّد البلاد عبر حدوده الجنوبية، وتجنده لأجل قهر أي محاولة لإرجاع البلاد إلى سنوات الدم التي بالكاد لملم جراحاتها.
وتأكده بأن المواقف الحاسمة للدولة هي التي ستحميه من أي خطر خارجي أو داخلي، وكما منح لدولته في الكثير من مواقفها أصفارا، وقف إلى جانبها في عملية تيڤنتورين، وحوّل رفقتها زوبعة الانتقاد الخارجية التي أثيرت في بداية العملية إلى اعتراف من الذين يمارسون الأمر والنهي في العالم، والجزائر الآن صارت في حاجة إلى مشروع أمة عظيم، يُجمع الناس عليه مهما افترقوا أحزابا وأعراقا وجغرافية، حتى لا ننتظر الأزمات الكبرى ومنها الإرهاب لتوحدنا، أو لعبة كرة القدم لتجمعنا حول شاشة واحدة مستمعين للنشيد الوطني وحاملين للأعلام الوطنية كما حدث مساء أمس خلال مباراة المنتخب الجزائري ضد الأشقاء التونسيين، فاليابانيون الذين تجمعهم لعبة المصارعة، وجمعهم الخوف على مصير عمالهم في عين أمناس، يجمعهم أيضا مشروع التنمية القومي الضخم، الذي حولهم إلى قوة اقتصادية كبرى، لا تغرب من منتجاتهم الشمس، والأمريكيون الذين تجمعهم رياضات الكرة الأمريكية والسلة والملاكمة، وجمعهم الخوف على عمالهم في عين أمناس، يجمعهم أيضا مشروع إبقاء أمريكا البلد الأول في العالم مهما تغيرت الأحزاب الحاكمة وحتى ألوان بشرة رؤسائها، بينما افتقدنا مشروعا قوميا نحوّل عبره الجزائر إلى يابان إفريقيا، كما تكهن الكثيرون منذ عقدين بسبب ثرواتها وشبابها وشساعة بلادها، وبقينا في فلك انتظار وحدة مواطنيها وتعلقهم بالنشيد الوطني والعلم الجزائري في مباريات الكرة التي لا تزيد مدتها عن تسعين دقيقة، أو عندما تفاجئهم أزمة كالتي هزتهم في عين أمناس، حيث شعر الجميع بأن الجزائر بإمكانها – إن أرادت – أن تتحوّل إلى دولة وشعبا لا تغرب عنها شمس الخير والقوة أبدا، بعيدا عن مشاريع السكن والقضاء على البطالة التي تقدمها الدولة كمسكّنات من ريع النفط، بدلا من تقديم مشروع التنمية الشامل الذي يحرر البلاد من عبودية ما تنتجه تيڤنتورين وأخواتها، أو عبر الاحتجاجات المتواصلة والإضرابات والتهديد بالانتحار التي غيّبت المواطن عن دوره الحقيقي الذي من المفروض أن يلعبه لأجل الصالح العام ولأجل أبنائه.
لا جدال في أن التفاف الجزائريين حول الفريق الوطني لكرة القدم، هو مؤشر صحي، ولا جدال في أن انشغالهم وتألمهم لأحداث عين أمناس هو دليل على وطنيتهم، ولكن ذلك لا يكفي، لأن الثورة العلمية والتربوية والصناعية والفلاحية هي وحدها من تنقلنا إلى الوحدة الحقيقية التي تجعل الكرة واحدة من اهتماماتنا وليس كل اهتماماتنا، وتنسف الإرهاب من بيننا نهائيا، حتى لا يصل الحال بأن يقول الإعلام الغربي ومعه بعض مسؤولينا بأن قاعدة تڤنتورين التي تسيّرها شركات أجنبية ومثيلاتها من قواعد النفط هي رزق الجزائريين الوحيد، في بلد يحتل المركز العاشر في العالم مساحة، ومراكز متقدمة في الثروة الباطنية والبشرية.