الرأي

الإسلاموية وفكر مالك بن نبي

نور الدين بوكروح
  • 6860
  • 0

الجزائر محظوظة بإنجاب مفكر بقدر مالك بن نبي، لكنها لم تستثمر في فكره لتصبح منتجة للأفكار على الأقل للاستفادة منه مثلا لوقاية نفسها من المد الإسلاموي. لقد تعاملت معه كما تعاملت مع ثرواتها الطبيعية التي لم تحسن استغلالها أيضا لتصبح قوة اقتصادية. وباستثناء بعض العموميات واللمحات كـ “القابلية للاستعمار”، بقى فكره مجهولا لدى العامة وحتى النخبة كما لو أنه لم يكن أبدا.

 بين الإسلاموية والبنابية: الاختيار الخطأ:

الإسلاموية ظاهرة صاخبة لانتصار الجهل ودليل على توجه الإسلام إلى هاوية سحيقة إذا لم يتخلص من هذا المرض المزمن الذي تمكن منه،   في حين إن فكر مالك بن نبي وعد للمستقبل وأفضل ترياق ضد هذه المصيبة بشرط أن يتحول إلى تيار أفكار في متناول الخاص والعام. عاصر بن نبي منظّر الإسلاموية، سيد قطب، بل وتواجه الاثنان حيث رد الثاني في كتابه “معالم في الطريق” على انتقادات الأول في كتاب “فكرة الإفريقية الأسيوية”. للأسف، الأغلبية اتبعت المصري الظلامي وليس الجزائري التنويري الذي لم يحض باهتمام حتى من طرف جامعيي ومثقفي بلده.

في زمن مالك بن نبي كانت الحركة الإسلاموية والحركة الإصلاحية النهضوية نفسهما تقريبا ومتقاربتين قبل أن يصبغهما كل من المودودي وسيد قطب بطابع إديولوجية متطرفة. كانت لهذا الأخير نظرة مناوية للعالم الذي كان يراه مقسما بين دار الإسلام ودار الكفر من جهة، وبين مجتمع مسلم يطبق الإسلام بحماسة ومجتمع جاهلي يطبقه بفتور أو لا يطبقه أصلا من جهة أخرى.

هل يمكننا الحديث عن علاقة سببية بين الفكر البنابي والإسلاموية التي خاطر بوجودها البعض؟ ولد بن نبي وقضى ست عشريات من بين السبع التي عاشها في جزائر مستعمرة وعالم إسلامي مستعبد من طرف القوى العالمية، حيث كل انتفاضة فكرية أو سياسية تثير حماسة المسلمين ويرون فيها إشارة إلهية أو تيارا تاريخيا واعدا. كان بن نبي أبضا يحاول التماس كل ما قد يحمل إشارة حياة في ما يحدث حوله، وهكذا كان إصلاحيا في شبابه (في سنوات العشرينيات 1920)، ووهابيا في سنوات دراسته الباريسية (في سنوات الثلاثينيات 1930) ومعجبا بحسن البنا في نهاية سنوات الأربعينيات 1940 قبل أن يسحب ثقته من الحركة التي كان يسيرها (الإخوان المسلمون) في 1954. وبالفعل، اعتبر الإصلاح حركة نهضة أخلاقية وثقافية، والوهابية ترجمة سياسية لها تهدف إلى إعادة مجد الإسلام في الأرض المقدسة و”الإخوان المسلمين” قوة اجتماعية حاملة لمشروع حضاري. لكنه تراجع عن كل هذه الأوهام ولم يتأثر فكره بها البتة، ولا نجد لها أي أثر في كتبه.

 أين يصنف بن نبي؟

تمحور فكر بن نبي حول الإسلام. لكن ماذا علينا أن نستنبط من هذا؟ هل كان باحثا في الإسلام، أم عالم دين، أم مصلحا، أم مفكرا إسلامويا؟ إنه لا ينتمي إلى أي من هذه التصانيف: هو ليس باحثا أكاديميا يدرس محتوى وتاريخ الإسلام ببرودة، وليس عالما دينيا خريج جامعات إسلامية، وليس مصلحا يقترح نظرة إسلامية جديدة للعالم أو مشعوذا إسلامويا ينادي بتأسيس نظام ديني لاهوتي.

ما يميزه من المفكرين الإسلامويين هو في نفس الوقت الإشكاليات التي تناولوها والحلول التي اقترحوها. لم يكن بن نبي عقلا تقليديا لكن عقل تقني وعلمي. لم يكن تركيزه على الإسلام في حد ذاته بل كان يسعى إلى فهم إشكالية أوسع وأكبر، ألا وهي إشكالية “الحضارة”، وآثار الإنسان عبر الزمن والمكان لتحقيق مهمة الإنسانية في الأرض. لا يتعلق الأمر بفارق بسيط، بل هما انشغالان اثنان، ومجالان مختلفان تماما.

لم يأت بن نبي ليدافع عن الإسلام بل ليحلل مساره التاريخي ويقترح وسائل خاصة لتلهم سلوكات فكرية، سياسية واجتماعية قادرة على إخراجه من الانحطاط والتخلف الذي سقط فيه بعد ملحمة لامعة. فهو مفكر مسلم وليس “مفكرا إسلاميا”، مما يناسب العديد من الشخصيات المبهمة. هو مفكر الحضارة الشاملة والاندماج الإنساني. لقد أصبح متخصصا في الغرب والروحانيات الأسيوية بنفس الدرجة التي تخصص فيها في العالم الإسلامي. صار موضوعه “الحضارة الإنسانية” ولم يكن يحلم منذ أن ألف أول كتبه، “الظاهرة القرآنية” 1947) )، بسوى الحضارة العالمية، المتمثلة في Omni Homme (عبارة لانية معناها كل الأنسان وكل الناس) والوصول بالديانات إلى “كلمة سواء”.

 تنم كل الأمثلة التي اختارها في كتبه أو المقالات الصحفية التي نشرها بين 1948 ووفاته في 1973 عن تفسير عصري ومتحرر لقيم الإسلام وقواعده، وتشير إلى مسعى متفتح ينادي بإصلاح نظرتنا إلى الآخر. كما يقترح أن يعتبر المسلمون أنفسهم في “حالة ضرورة” وعليهم التصرف بناء على ذلك للتقريب بين الديانات والحضارات الأخرى.

أين مكمن الداء؟:

بالنسبة إلى بن نبي، لم يطبق الإسلام حسب مبدئه الأصلي، بل تم تحريفه باكرا عن مساره. علينا أن نأخذ بمسلمة أولية مهمة بالنسبة إليه: إن ما نسميه “الحضارة الإسلامية” ما هو سوى نتاج انحراف: “إن التطور الذي عرفناه “بالحضارة الإسلامية” لم يكن سوى تكييف للعقيدة الإسلامية للواقع المفروض الذي أعقب صفين، وبذلت المذاهب الأربعة جهدا كبيرا لتحقيق التوفيق مع سلطة حاكمة فرضت الوراثة كنظام حكم استبدادي -أي خارج المنطق الإسلامي التشاوري-. وهكذا فإن العقيدة الإسلامية ليست هي التي أفرزت الحضارة الإسلامية، بل بالعكس العقيدة هي التي أخضعت لنظام دنيوي فرض بالقوة. إن إعادة بناء الحضارة الإسلامية تفرض علينا العودة إلى الإسلام، أي إلى النص القرآني بعد تخليصه من القوقعة اللاهوتية والمذهبية والفلسفية التي شابته وغمته”. كما يعتبر بن نبي أن الحركات التي صنفتها المذاهب السنية كحركات انشقاق مثل “الخوارج” و”المعتزلة”لم تكن سوى محاولات للرجوع إلى الفكرة القرآنية، الأولى على الصعيد السياسي والثانية على الصعيد الفكري،” (“وجهة العالم الإسلامي”).

لم يكن يرى النهضة في أي شكل من أشكال العودة إلى الماضي، لكن في مجهود أخلاقي وفكري وسياسي كبير يحضر العالم الإسلامي للدخول في سياق العولمة mondialisme (لقد كان سباقا في وضع هذه العبارة في أواخر سنوات الأربعينيات). كتب في “وجهة العالم الإسلامي” (1954) :”ليس العالم الإسلامي مجموعة اجتماعية معزولة، قادرة على استكمال تطورها بمفردها، بل له دور في الدراما الإنسانية كفاعل وكشاهد في آن… لكن دون شك، عليه أن يصل إلى مستوى الحضارة الحالية بأن يدرج في حساباته العصر الذري الذي يغلب عليه العقل التقني”. لم يكن يتصور النهضة الإسلامية في تكوين قوة عسكرية للهيمنة على العالم، بل قوة أخلاقية وروحية: “يبقى دوره (الإسلام) روحيا أولا، وحاجزا لشطط الفكر المادي وأنانية الفكر القومي”.

كان بن نبي يفهم أسباب الوضع الاجتماعي والتاريخي للإسلام ومتمكنا من الوسائل الفكرية والعلمية لتفسيره، وهو يرى فيه مجرد منتَج عمل البشر وعدم قدرتهم على العيش بالإسلام بأكثر احترام :”ليس على الإسلام الأبدي أن يغطي أو يبرر بطريقة أو بأخرى ضعف نظام وضعي اعتبر نفسه مسلما… لقد فقد المسلم الممارسة الاجتماعية للإسلام” (“الفكرة الإفريقية الأسيوية”). لفت بن نبي النظر في “ميلاد مجتمع” إلى: “انبهار المصلين بالحقيقة الإسلامية وهم يستمعون لخطب الجمعة، ملتفين حول المنبر. كلمات الإمام المتساقطة على آذانهم الخاشعة تزعزعهم. وأكثر من مرة نرى مصليا يغرق في دموعه حين يتأثر الإمام نفسه ويرتعش صوته. لكن عندما ينتهي المصلي من صلاته، فإنه يخرج من المسجد تاركا وراءه “الحقيقة” التي هزته ولا يأخذها معه إلى الشارع. وبمجرد مغادرته المسجد ينتقل المسلم من حال إلى حال. وهذا يقودنا إلى إثبات حقيقة الانفصال بين الجانبين الروحي والاجتماعي، والطلاق بين الحياة والمبدإ.”

هكذا يبدو المسلم لبن نبي :”كإنسان معزول يجهل قيم الآخرين”، “الضمير المعزول الذي لا يشارك في القضايا العالمية. لا نجده لا في المناقشات الدولية، ولا في دوامة الأفكار الاجتماعية والفلسفية المتصادمة التي تتقاسمها الإنسانية حاليا. هذه النفسية المنطوية تبلور عدم فعاليّة العالم الإسلامي على الصعيد العالمي“.

كان واعيا بخطورة وضع العالم الإسلامي، ولذا لم يكن ليغذي نفسه ولا غيره بالأوهام. وإن لم يبح في كتاباته عن كل ما توصل إليه فكره، إلا أنه لم ينخدع بحقيقة العالم الإسلامي. في أكتوبر 1959 بالقاهرة وردا على سؤال طالب سوداني حول “حتمية” هداية العالم للإسلام، قال بأسلوب لبق :”لا ينتظر العالم منا الرسالة الإسلامية بل كل رسالة تحمل له الخير. إذن الإشكالية هي معرفة إذا ما كانت الحالة المادية والمعنوية للإنسانية الحالية تستوجب ضرورة أساسية قد يستوفيها الإسلام.. إذا ما كان هذا هو الوضع سأقول إن العالم ينتظر رسالتنا. إذن لابد علينا التأكد من هذه الضرورة”.

البديل في طرح بن نبي النهضوي الحضاري:

حمل بن نبي مشروعا وهو القيام بنهضة العالم الإسلامي، لكن ليس في شكله الثقافي والجيوسياسي القديم، بل بتوجيهه نحو أشكال تنظيمية جديدة لم يشهدها من قبل. كان يعتقد أن العالم الإسلامي لن ينهض من جديد من أنقاضه، بل يجب أن يتجدد، وأن يبحث لنفسه عن أنماط تنظيمية أسمى في عالم توحد تقنيا. كان يرى مساهمة العالم الإسلامي في هذا النظام الجديد من خلال مشاركة ذات طبيعة أخلاقية وروحية. لم يكن يطالب بأسلمة العالم، ولا توهم أن تصير البلدان الإسلامية قوى عظمى.

لقد كسر العديد من الطابوهات وحطم القداسة التي أحيطت بها أفعال البشر طوال تاريخ الإسلام كما يعرضها الفكر التقليدي. لقد كان يتوقع من الاحتكاك مع العالم المعاصر حدوث شرارة ينطلق منها مسار نهضة فكرية، وبروز حافز يحيي أجساد المسلمين وأرواحهم الخاملة والمحبوسين في تطبيق حرفي وفرداني لشعائر الإسلام، جاهلين بدورهم وواجباتهم تجاه العالم. كان بن نبي إنسانا ومفكرا عمليا وواقعيا ودقيقا. قال في كتابه “ميلاد مجتمع” (1962): “لا بد من إيجاد “فكرة” سامية تلحم الروحانية بالواقع الاجتماعي، وتعيد تركيب “الذات” المسلمة، بطريقة تصير فيها هذه الأخيرة هي نفسها في المسجد وفي الشارع… يجب أن تصبح إعادة التنظيم والتوجيه هذه هي المهمة الأساسية في مخطط النهضة الإسلامية. فتحقيقها هو الشرط الأول والمسبق الذي سيجعل من كل جهد يبذل في إطار هذه النهضة فعالا”.

في حين اعتقد الإصلاح الإسلامي أنه وجد حل إشكالية التخلف في العودة إلى الماضي، رآه بن نبي في وثبة إلى الإمام، في توليفة بين القيم الروحية للإسلام والقيم الدنيوية في القرن العشرين، بين الأصالة والفعالية، بين روح القرآن والفكر الديكارتي. لم يؤمن أبدا بإمكانية انبعاث العالم الإسلامي خارج إطار شامل توحد فيه الوسائل الروحية والمادية للإنسانية: “العودة إلى السلف، كما تطرحه الحركة الإصلاحية الكلاسيكية، لا يسير في اتجاه سياق الأحداث التاريخية. فهو يطمح إلى انزلاق لا يأخذ بالإنسان إلى عهد الوعي، لكن إلى عهد العلوم اللاهوتية، بمعنى أن يرجعه إلى نموذج الماضي، إلى فترة ما بعد معركة صفين. هي إذن إصلاح علماء دين، تمس قليلا أو لا تمس إطلاقا الجماهير الإنسانية” (“وجهة العالم الإسلامي”).

لقد كان يدين الميول القاتلة إلى تقديس الإسلام التاريخي، وقام بتمييز واضح بين الإسلام وترجمته الاجتماعية: “هذا التمييز ضروري للحديث عن النقائص دون “الرعب” الذي يتملك المسلم عندما يريد الخوض في إشكاليات العالم الإسلامي وأمراضه.. غالبا ما يستسلم عقله لهذا الرعب ويجد نفسه مندفعا إلى التبرير والمدح، ويبتعد بذلك عن دراسة هذه الإشكاليات وفحواها الحقيقي. هو يعتقد نفسه مجبرا- وهو يتقاسم في هذا العيب مع كل مؤمني باقي الملل- أن يجعل من هذا المحتوى مثاليا، أن يجمله بمعطيات ذاتية، ليركب إجمالا في روحه صورة مداهنة لدينه.. يحدث هذا التبرير بكيفيتين- إما باستبدال الشيء الموضوعي بالإحساس الذاتي، أو باستبدال حاضر الحرمان بماض رائع وجميل– وهو ما يجعل العلاج الاجتماعي مستحيلا.. إن “استبدال حقيقة من الحاضر بصورة من الماضي يمكن أن يكون حائلا نفسيا أكيدا“(“فكرة الإفريقية الآسيوية”-1956)

كتب مالك بن نبي في مقال (“ماذا أعرف عن الإسلام” العدد 8، جانفي 1972)  (« Que sais-je de l’islam »):”عندما يصبح الدين مجرد عبارات تحفظ عن ظهر قلب، ومجرد مجموعة حركات تؤدى آليا، يمكن أن نغرق بسهولة في عبادة رموزه، بدل أن ننشغل بدلالاته. إذن، عندما يغتصب الدال مكان المدلول، فهي عودة إلى السحر، هي هيمنة الناسك الشكلي وبالنهاية المشعوذ. ولا مانع من التذكير بالحكمة الصينية: “عندما يشير الإصبع إلى القمر، الأحمق ينظر إلى الأصبع” بمعنى أنه عندما تأخذ الإشارة مكان المشار إليه، فالحماقة تأخذ أيضا مكان الثقافة وتسمى باسمها.”

ربما كان بن نبي هو المفكر الأول الذي ربط بين “المؤمن” و”المواطن”، فكتب في “فكرة كمنويلث إسلامي” في أواخر الخمسينيات: “من المؤكد أن المؤمن الجيد هو بالضرورة مواطن صالح، حتى في علاقته بمواطنيه من عقائد أخرى… المؤمن يحمل في نفسه المشاكل التي تواجه المواطن… عالم أفكارنا هو المصاب بالمرض الذي يتسبب في أزمة العالم الإسلامي. هذه الملاحظة يمكن أن تترجم بطريقة مختلفة هنا بالقول إن المؤمن يحمل في نفسه المشاكل التي يواجهها المواطن… إذن اليوم، مشكل مواطن أي بلد إسلامي يطرح من نفس العمق الاجتماعي الذي يطرح به مشكل أخيه في الدين في وطن آخر. إذن نقر هنا أن المشكل المطروح هو مشكل المؤمن”.

لو بحثنا عن معنى حياة بن نبي، نجده قد لخصها في مدونة في 13 فيفري 1958: “إذا أردت تلخيص حياتي منذ سنة 1936، أعتقد أن المفهوم الأصلح الذي أراه، هو طبيعة الحب الذي طالما حملته للصور السامية للحياة التي أوجزها في كلمة الحضارة. دائما ما أثر فيّ هو مشهد الحضارة. وإذا لخصت حياتي الآن فهي عبارة عن محاولة لتمرير هذه العاطفة، أي حبي للحضارة، حولي“.


*ترجمة: س. عايدة  

مقالات ذات صلة