-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإسلاميون: فكرة وإدارة وسياسة

صالح عوض
  • 1723
  • 0
الإسلاميون: فكرة وإدارة وسياسة

من المنطقي والضروري تدبُّر التيار الإسلامي بمدارسه المتعدِّدة وتأمل خط سيره على اعتبار أنه التيار الاجتماعي السياسي الأكثر انتشارا وفاعلية في مجتمعاتنا العربية، وعلى وقع خطاه ترتسم كثيرٌ من وقائع منطقتنا، فهو قوة فعل من العبث إنقاص قيمتها أو العمل على إقصائها لأن ذلك من شأنه إحداث شروخ اجتماعية لن يكون من السهل تجاوزُها.. ويصبح أمن البلد واستقراره وتطوُّره في مأزق حقيقي.

ويجنح البعض إلى تضخيم الايجابيات أو السلبيات، ولكن دون تحديد أيِّ دائرة معنية بالنقاش والتقييم، فينساق الحديث عن الكل فيما هو يعني الجزء وفي هذه الفوضى يقع الظلم أو الوهم.. ومن هنا بالضبط يجب تعيين الدائرة التي يتم فيها النقاش ويبدو لنا أنَّ هناك ثلاث دوائر معنية بالتحليل والبحث والتقييم.

دائرة الفكرة: ينطلق الإسلاميون من فكرة أن الإسلام هو الحل لكل مشكلات أمتنا المعاصرة.. وأن غياب الشرعية الإسلامية بسقوط الخلافة العثمانية هو المقدِّم لبعثرة الأمة وتجزئتها وتغريب شبابها وعلمنة قوانينها وضياع فلسطين.. ومن هنا فلابدَّ من العودة إلى الإسلام منهجا لحياة مجتمعاتنا وتقديم إجابات إسلامية على كل التحدِّيات المطروحة.. وفي هذا الصَّدد يمكن تسجيل العناصر الايجابية لهذه الفكرة المنبعثة نحو معالجة مشكلاتٍ مُعاصِرة ومتجاوزة التقيُّد بالإجابات السابقة التي فرَّقت الأمة على مذاهب وطوائف وقوميات فكان خطاب التيار الإسلامي المعاصِر الأخذ بالإسلام من معينه الصافي بعيدا عن كل ما يفرِّق الأمة.. كانت الفكرة قرأنية منطلقة من روح الوحي لتغيير ما بالنفس وما بالمجتمع لقيام كيان الأمة على أسس من الإيمان والصلاح، ولهذا كان لا بدَّ من إيجاد الفرد المسلم والمتخصص المسلم والمجتمع المسلم، على اعتبار أن الخلل هنا يتمثل في منظومات التربية والأخلاق وضرورة ترتيبها بما يؤهِّل المجتمع لحياةٍ كريمة.. ويسجِّل لهذا التيار في فكرته أنه لم يدعُ إلى تشدُّد ولا تنطُّع في أي جزئية إنما هو الشمول السمح، ولم يكن التشدُّد إلا على قاعدة الاعتصام الإجمالي بالإسلام مع السِّعة والتنوُّع الايجابي وترتيب الأولويات والأهمِّيات.

كان التيار الاسلامي المعاصر موفقا أيما توفيق في إيجاد العنصر الذاتي في الفكرة، وكان هو الأقرب إلى الفطرة والنبع النبوي الصافي، ولابد من التأكيد على حُجَّته الأولى وروَّادها لاكتشاف هذا بيُسر ودونما عناء.. ولكن في شقها الموضوعي كانت تحتاج إلى تنمية مستمرة بانفتاحها على التطور الحاصل في العالم، لاسيما قفزات العقل البشري في الغرب ومستتبعات ذلك من تحرك غربي تلقائي لتوفير شروط التقدم من مواد خام رخيصة لن توجد إلا في الوطن العربي والعالم الاسلامي مما يعني الاشتباك الحتمي، الأمر الذي يوجه الفكرة للتزود بعناصر جديدة من الشرط الموضوعي تجعلها فكرة هجومية في أحد أبعادها منذ البداية.. بمعنى أن الفكرة كان من الضرورة أن تنفتح على التكنولوجيا والعلاقة بالآخر..

ومن هنا كان الضعف في الفكرة الذي سمح لتسلل العدو بالاختراق، حيث لم يجد مقاومة في مجالات السياسة والاقتصاد والسياسة، فنشأ عن ذلك سلوكٌ سياسي وتوجُّهات وعلاقات وتحالفات غير مفهومة وهذا ما سنعود إلى تسليط الضوء عليه في الجزء الثالث من مقالنا هذا.

الإدارة (التنظيم): كان لابدّ من تنظيم تنعكس فيه الفكرة، يتحرك من أجل ترجمتها في واقع يحقق في النهاية الهدف الذي من أجله تبلورت الفكرة.. فكانت الجماعة وكان التنظيم، وهنا دخلنا الدائرة الحساسة وعلى بوابة التنظيم “الجماعة” تطرح أسئلة عديدة وحساسة: أي تنظيم نريد؟ هل هو جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين؟ تسمع هنا الإجابة بأنها جماعة من المسلمين، ولكنك تراها فيما بينها وتجاه الآخرين تسلك نهج جماعة المسلمين: هل هو تنظيم إيديولوجي؟ أم تنظيم وظيفي؟ وهنا يبدو أن هناك حلقة مفقودة في الحديث.. ما هي الحلقة المفقودة بين الفكرة والإدارة (التنظيم)؟ إنها عملية التفكير والتدبُّر فيما ينبغي فعله، وهذا يحتاج إلى دراسات وأبحاث ومناقشات واستنتاجات للوصول إلى تصور ماذا نريد فعله؟ وماذا ينبغي أن يكون؟ وهنا يأتي التنظيم جسما يحمل المشروع، لكن الانتماء إليه لا يعني بالحتمية تميزا عن غير المنتمين إليه في حمل المشروع الحضاري ولا يكون بالمطلق مكوّنا لمشاعر خاصة متميزة ولا ولاءات مقدمة على العناوين الكبيرة كعنوان الأخوَّة في الوطن وفي العروبة والإسلام بل هو مجرد وظيفة لا ينبغي أن ترتقي المشاعر فيها على أيِّ من مشاعر العناوين الكبيرة، وإلا فنصبح إزاء فرقة جديدة من فرق المسلمين وطائفة جديدة تصبح الطقوس فيها أهم من الشعائر ويصبح الولاء لها مقدماً على الولاء للدين والأمة.. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية الأخلاقية التي عانى منها التيار الاسلامي، فهو وقع بين ما يجب وهو ضرورة تشكيل تيار سياسي اجتماعي (تنظيم) يجسد الفكرة ويؤطر المقتنعين بها ونتائج هذا التشكيل من التعصُّب والتحزُّب والتفرقة، وذلك بسبب أن الحلقة المفقودة لم يتمّ اكتشافها بعد بين الفكرة والإدارة.. الحلقة المفقودة وهي الإجابة العلمية هي الاكتشاف لما نريد أن نفعل على هدي من فكرتنا..

صحيحٌ أن التنظيم شكَّل جبهة واسعة تتصدى لتيار العلمانية والتغريب والتهتك الأخلاقي والمفاهيمي، وهذه إيجابية كبيرة في جانب الإدارة للفكرة، ولكنه ترك مخلَّفات كبَّلته وجعلته يئنُّ تحت وطأة التحزب في كثير من الأحيان، ويزداد الأمر سوءا عندما يتفرق أبناء الفكرة الواحدة إلى كيانات بعنوانين لا تجد اختلافا بينها إلا مطامح النفس ورغبات شخصية فيكون التفسخ نزفا للأخلاق والروح والأفكار وانهماك للفرقاء فيما يسيء للفكرة ويعطل عن أي فعل إيجابي.

الحلقة المفقودة: كيف نحقق مستقبل الشعب والأمة الذي نريده؟ وهنا يكون المشروع والبرنامج هو الوسيط بين الفكرة والتشكيل، وهنا تتولد الحاجة إلى التنظيم الوظيفي وليس إلى الايدولوجيا.. هذه هي الحلقة المفقودة في المسألة كلها.. لابدَّ من التحرر من التنظيم الإيديولوجي فالأخوَّة التي تربط بين عناصر الأمة هي المقدمة ومصلحة الأمة هي المقدمة التي تذوب فيها كل المصالح الأخرى.

السياسة: هذه الدائرة التي حصل فيها الاضطراب الواسع وجاءت منها الخسائر والنكسات، ذلك لأنها لم تنضبط بمعايير واضحة محددة ولم تهتدِ بفكرة متكاملة.. هنا تظهر نتائج النقص في الفكرة وهنا تتجلى نتائج الفوضى في مفهوم التنظيم والإدارة، فكيف يمكن أن تمارس السياسة في ظل فقدان البصيرة بطبيعة الغرب الاستعماري وأهدافه في البلد وفي الأمة؟ كيف يمكن ممارسة السياسة  إذا تهددت مصلحة الحزب أمام تقدم مصلحة وحدة المجتمع والأمة؟ كيف يمكن أن تكون السياسة طريقاً للنجاح فيما هي الضباب والغيبوبة هي ما يُران على بصيرة القائمين على أمرها فيما يخصُّ طبيعة الصراع الإقليمي والدولي وتدافع القوى العالمية؟ كيف ننجو بسياسة لا تدرك مشاريع الغرب وحقيقة توجُّهاته؟ كيف نمارس سياسة تفرُّقنا بالمشاعر والقلوب عن بقية أبناء وطننا وأمتنا؟ ولا نجد بالضرورة أهمية التكامل مع الكل الوطني والكل العربي والكل الاسلامي.

في السياسة يفهم كثيرٌ من ممارسيها في التيار الاسلامي أنها فذلكة وعدم صراحة ومواربة، ويتجاوز البعض في فهمه أن السياسة “فنُّ الكذب” فيزيدون الطين بلة وتصبح معهم كل المواقف لها وجه ولها بطن مخالِف ويصبح التبرير الباطني هو سيِّد المشهد حتى في المواقف الكبرى التي تمسُّ مصلحة الأمة ومستقبلها.. إن كل ما يحصل من نتائج كارثية على مستوى العمل السياسي مرده الضعف في الفكرة والفوضى في الإدارة..

ورغم كل ما تقدم من محاولة لإظهار المثالب، إلا أنه من الواضح أن اعتبار التيار الإسلامي المعتدل والوسطي هو الأقرب إلى أن يكون حاملا الفكرة الإسلامية، وعلى يمينه ويساره تتناثر المجموعات الإسلامية بغلوِّها وتطرُّفها ويصبح غيابه الفاعل الناجح عن المشهد بمثابة فسح المجال لتلك المجمعات للانتشار في مساحات الجهل والتشدد.

من المفتَرض أن يكون التيّار الإسلامي في المنطقة العربية هو رائد النهضة العربية الإسلامية وأن يكون هو مركز المشروع الحضاري الإسلامي العالمي لتحرُّره من الشعوبية والطائفية ولتوسُّطه بين مشاريع نهضة الأمة.. ولهذا كله كان علينا مناقشته فهو شأن عام إن ضاقت بنقدنا بعض الصدور.. تولانا الله برحمته.

* من الواضح أن اعتبار التيار الإسلامي المعتدل والوسطي هو الأقرب إلى أن يكون حاملا الفكرة الإسلامية، وعلى يمينه ويساره تتناثر المجموعات الإسلامية بغلوِّها وتطرُّفها ويصبح غيابه الفاعل الناجح عن المشهد بمثابة فسح المجال لتلك المجمعات للانتشار في مساحات الجهل والتشدد. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!