الرأي

الإسلاميون.. مواطنون وطنيون.. أم عابرو قارات؟

صالح عوض
  • 1673
  • 0

الإسلاميون مواطنون، والمواطنة حق وواجب فكما لا يجوز – حسب كل الأعراف والمواثيق- إقصاؤهم بأي شكل من الأشكال وكما لا يجوز التضييق عليهم أو حرمانهم من أي حق من حقوقهم بسبب أفكارهم ومعتقداتهم لأن ذلك مما يكفله القانون الإلهي والتشريع الوضعي فإنه بالتوازي مع هذا فإن عليهم واجبات نحو أوطانهم ومجتمعاتهم لا يجوز استبدالها أو القفز عليها أو العمل بالضد لها..فالإسلاميون مواطنون وليسوا ضيوفا ولا عابري قارات .. ولكن هل هم وطنيون؟ بمعنى هل مشروعهم منصب على مجتمعهم منطلقا من خصائصه ومفرداته ويتحرك لفائدته بشكل مركز في شتى المجالات.. إن هذه مسألة تحتاج لنقاش علمي؟

 لقد حصل الخلط لدى كثير من الإسلاميين بين عالمية الرسالة ووطنية العمل – كبداية عملية منهجية- مما أحدث استبدالا غير علمي بما هو نظري رسالي لما هو واقعي أساسي؟ فلماذا أصيب الإسلاميون بمرض الخلط بين عالمية الرسالة والهدف الواقعي مع أن المنهج القرآني فصل بين المسألتين بوضوح، قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” قال تعالى : “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ” .. فالعالمية هنا تخص الرسالة بمفاهيمها وعناوينها الأساسية وثقافتها وإستراتيجيتها بعيدة الأهداف، أما الواقعية فتخص القوم والعشيرة وبدلالة أكثر معاصرة، فإنها تعني العمل في إطار الوطن بشعبه وأرضه وقوته وعناصر ووجوده.. حيث كل وطن له خصوصيات ورموز ومشكلات وقدرات لا ينبغي تجاوزها بأي حال من الأحوال بحجة العالمية..وهذا لا يعني أبدا احترام التجزئة السياسية بين بلداننا أو قبولها ولكنه يعني ترتيب العمل والأفكار والإمكانيات الأولى فالأولى وإدارتها إدارة حضارية..حيث لا فائدة من التحليق بالشعارات فيما لا قوة على أرض الواقع تحمي وتحمل هذه الشعارات.

الأمر الذي لاشك فيه أن التيار الاسلامي في البلاد العربية هو أحد ضمانات الاستقلال الفكري عن الأطروحات الهجينة المتغربة والمعلبة، كما أنه أحد معاملات النهضة والتنمية وصمود المجتمعات العربية..ومن هنا كانت الحرب الضروس عليه من قبل قادة المشروع الاستعماري..ولكن الواضح أن مردودية فعل الحركات الإسلامية لا تتنامى ولا تتطور بما يتناسب مع حاجات المجتمع وتطور الحياة فيه، بل لعلها في كثير من الأحيان تبدو وكأنها حجر عثرة أمام حركة المجتمع ..فهل إلى نقاش هذه المسألة من سبيل؟ هل حان الوقت لبعثرة المتيبس في الفكر، ونثر المتكلس في الفعل، وإظهار الحقائق على حقيقتها؟

يبدو أن مناقشة الفكر الذي تتبناه الأحزاب والحركات الإسلامية أصبحت الخطوة الأولى نحو الخروج من مآزقها التي تفاقمت في أكثر من مكان لاسيما بعد محاولات الحراك في البلاد العربية.. كما أن إعادة النظر في السياسة التي تنتهجها الحركات الإسلامية أصبحت ضرورة حياة..فالأزمة التي تعانيها الأحزاب الإسلامية مزدوجة فهي أزمة فكر بما فيه من رؤى ومفاهيم وأطروحات على الأصعدة جميعا كما أنها أزمة سياسة في الفهم والممارسة .. وإن عدم إجراء عمليات تفكير مستمر مستندة إلى النقاش والتدبر المنهجي المنظم انتهى بها إلى حالة من الجمود الفكري والتيبس وعدم القدرة على توليد أفكار تنفع الناس وتعالج هموم واقعية كما دفع بها إما إلى تقديس أفكار الأمس أو التفلت من أي التزام فكري ..كما أن عدم الوضوح في الرؤية والفهم السياسي وعدم القدرة على تحديد ثوابت السلوك السياسي لكثير من قيادات العمل الاسلامي أدى إلى ممارسات انتهازية ومتناقضة ومترددة تتحرك بلا معيار.

ومن أخطر القضايا الفكرية والعملية تبرز لنا مكانة المسألة الوطنية في الفكر الاسلامي والفعل الاسلامي ومساحة حيزها..ولتفسير هذه الظاهرة لابد من تأملها في إطار السياق العام للفكر والممارسة..ولعلنا نقترب من الدقة لو قلنا إن الفكر الاسلامي الذي تطرحه الحركة الإسلامية إنما هو فكر شمولي عام يحلق في سماء لا أرض لها ولا جغرافية ..فعالمية الإسلام انسحبت لعالمية التنظيم ولعالمية القضايا وتمييع القضية المحلية لأن ذلك حسب تصور البعض دعوة منتنة.

في هذا الصدد يطل علينا نموذج عبدالحميد بن باديس المجدد الكبير الذي لم يتزحزح عن رؤية الإسلام كمنهج وحيد للتعامل مع القضايا كما قال رحمة الله عليه: “نحن نفسر الدنيا بالدين ونفسر الدين بالدين”..ولهذا بدا مشروعه وهو المتبصر لحركة القران مع الأنبياء حيث العمل في القوم ولا فائدة عملية ترتجى من قناعاتنا بالرسالة إن فقدنا القدرة على جعلها حقيقة في واقعنا، فكان شعاره المبدع بموضوع شرحه وفسره تحت عنوان: لمن أعيش؟ للجزائر والإسلام.

هنا تتجلى مساحة الفعل الحضاري، إنه الجغرافي الذي تربطه بها روابط الدم والقربى والتاريخ الخاص والعادات والنسيج الاجتماعي والنفسي ..هنا يكون الفعل وبذل الجهد كله من أجل النهوض بالقطر بتعليمه وتدريبه وصناعته وتقوية بنيه لأنه هنا يحقق المنصة الوحيدة لانطلاق مشروع النهضة في الأمة  بالتعاون بين كل أقطارها وأقاليمها..

وهذا يعني بوضوح أن يبحث دعاة الفكر الاسلامي بداية في مفردات مجتمعاتهم ويبرزون مكارمها وينموها ويحيون بالتقدير والاحترام رموز مجتمعاتهم وينوّهون بفضائلهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..وعليهم التقدم بجرأة لإبراز كل ما من شأنه أن ينهض بالبلد وينشغلون بما يهم أهلهم وشعبهم وذلك كله بمنهج الإسلام الرحمة للعالمين، بمعنى آخر أن يكون مشروعهم هو إنقاذ مجتمعهم وتطويره والدفاع عنه وحمايته والحرص على أمنه وسلامه..

أما الذي نراه فهو غياب مذهل عن الواقع باللجوء الى واقع آخر أو واقع الآخر والاستناد لمعطياته والتعيش على قصصه وإخباره..والاستناد الى خطبائه وشعارات النهضة فيه..ورهن مستقبله بما يحصل هنا أو هناك.

ويؤدي هذا الفراغ المذهل والغياب غير الحميد الى سلوك غير مسؤول مع القضايا المحلية، فهو إما أن يتطرف في مواجهة الوضع القائم ويندفع للتصادم معه لينتهي إلى فشل وإما ان يتزلف للحكام ويرتمي على أعتابهم حتى يطردوه وهو في حالة فوضى من أمره .. وفي كلتا الحالتين يصبح الهدف هو تعظيم مشروعهم في البلد لا تعظيم شأن البلد، لا تصبح بلدهم هي مناط تكليفهم ومشروعهم الذي يبذلون من أجله الغالي والنفيس إنما يصبح حزبهم هو المشروع ويتم الحرص المفرط على تنميته وتوسيعه.

لم يفهم كثير من الإسلاميين أن السعي الحقيقي للعالمية إنما هو يبدأ بالاهتمام البالغ بالوطن وببنيه وبحاضره ومستقبله..فالذهاب الى العالمية كعمل واقعي لا يكون الا بناء على أساس متين من وطنية غيورة وحريصة ومحبة .. ولا يحتجج أحد بأن مثل هذا القول يدعو لتكريس القطرية في الأمة .. إن مثل هذا القول إنما هو نرجسية فاقدة أي معنى لا تستند لتاريخ ولا لسنن انتصار..إن توحد الضعفاء لا قيمة له ولا يمكن أن يحدث وهو هش ضعيف والانفلات للتعامل معه في تغييب ما هو محلي إنما هو من باب التخدير والهروب من المسئوليات..فالوحدة لا تكون إلا بالأقوياء والكيانات الحيوية والنشطة ولا تنطلق الوحدة الا من كيانات تدرك قيمتها ..وان تجاوز هذا الأساس ينتهي بالفكر الاسلامي والعمل الاسلامي الى حالة خارج ميدان التدافع مرفوضة.

اتخذ نقاشنا هنا الحركات الإسلامية المعاصرة في هذا البعد الأيديولوجي والعملي..والأمر يبدو أكثر فداحة لدى المجموعات الإسلامية السلفية بالذات المقاتل منها حيث ينتفي لديها مفهوم الوطن وهي جاهزة للقتال في الشيشان ولبنان وسوريا والعراق وأفغانستان.. ولعلنا نكتشف كم أصابنا من خسران بتشتيت طاقاتنا وتبديد إمكانياتنا.

على الإسلاميين أن يكونوا وطنيين بامتياز وأن يكون مشروعهم هو وطنهم وهذا لا يصطدم أبدا برسالتهم العالمية بل يجعلهم أكثر جدية .. وأن يكونوا وطنيين تبدأ العملية بالحرص على الوطن وإبراز معالمه وفضائله وتكريمها ومعالجة مصائبه ونكساته وضعفه وأن يكون ذلك كله في مشروع يجعل المعيار الأخلاقي أساسه..هكذا نستفيد من جهود حركات جمعت إليها خيرة أبناء الأمة.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة