-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإسلاميون يتأرجحون بين الاعتدال والعنف

صالح عوض
  • 2007
  • 0
الإسلاميون يتأرجحون بين الاعتدال والعنف

إن الحديث عن التيار الإسلامي نقدا، مدحا أو قدحا مبرر تماما، لأنه هو التيار السياسي الأكبر حجما والأكثر انتشارا في الساحة العربية والإسلامية، ومن غير المبرر أن لا يطرح موضوع اشتباك التيار الإسلامي في مجالات السياسة للحوار والنقاش، لأنه لم يعد ملكا لأصحابه والمنتمين له، فبعد عشرات السنين من العمل الدعوي والتنظيمي والسياسي، يقف التيار الاسلامي في بلاد العرب مشدوها أمام تحديات ومعرقلات تكاد لا تسمح له باجتياز خطوط معينة، فلم تنجح وسائل العنف ولا الوسائل السلمية فأين الخلل إذن؟

يقف الإسلاميون باستمرار في دائرة المراجعات والتراجعات، أو النقاش والتغيير بما يخص منهج العمل، فهل لا زال وجيها الالتزام بالعمل السلمي في مواجهة تعسف أنظمة الجور، أم أن العنف والمواجهة المسلحة هي البديل، وقد رأينا ما أسفرت عنه من مهالك للشعب والحركة الإسلامية سواء وللدولة أيضا.

ولسوء حظ الإسلاميين أو لحسن حظهم أنهم جرّبوا الاتجاهين، فلقد واجهوا عبد الناصر بالسلمية ولم يشنوا عليه حربا، ورغم ذلك أقيمت لهم محاكمات ظالمة وانتهت بإعدام قياداتهم رغم تدخلات قام بها قادة عرب كبار كالرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، والرئيس العراقي الراحل عبد السلام عارف.. وتجرع الإخوان غصص الظلم والقهر سنوات طويلة من السجون والتعذيب في دولة البوليس، ولم يقبلوا أبدا إن يحرفوا منهجهم السلمي، وقاوموا بقوة كل الاتجاهات التي برزت في السجون كردة فعل على ظلم النظام، وبعد أن أخرجهم السادات من السجون التزموا بنهجهم السابق، وبذلوا جهودا كبيرة في التأكيد على سلمية الدعوة، وأنهم دعاة وليسوا قضاة حتى استمر بهم الأمر إلى مرحلة مبارك، الطويلة التي تعرضوا فيها لملاحقات واعتقالات واستفزازات ومصادرات لأملاكهم، وتدمير لمشاريعهم وحرمانهم من كل الحقوق السياسية والإنسانية، إلا أنهم لم ينحرفوا عن نهجهم السلمي، وقد أصبحوا في مصر قوة لا يمكن تجاوزها، يكفي أن فيها أكثر من 50 ألف حامل لشهادة الدكتوراة وآلاف الأطباء المتخصصين وعشرات ألاف المعلمين والمهندسين والخبراء، وعشرات الآلاف من العمال والطلبة وعشرات الآلاف من المدارس والمعامل والمتاجر والجمعيات الخيرية، والتزموا بنهجهم حتى جاءت الثورة في 25 يناير، فكانوا قوتها الرئيسية ولكن أيضا بدون سلوك ثوري.

على هامش حركة الإخوان المسلمين في مصر، برزت قوى متشددة كالجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة والجهاد الإسلامي، وهي حركات التقت جميعها على تكفير الحاكم، واتفقت كذلك على ضرورة محاربته وحصل الاختلاف فيما بينها حول الناس، ففي حين اكتفت الجهاد بمحاربة الحكام وأعوانهم ذهبت الجماعة الإسلامية زيادة على ذلك إلى الحديث عن البدعة والتجاوزات على الشريعة التي يقع فيها العامة، فكانت الجماعة الإسلامية تراوح بين السلفية والجهاد، أما التكفير والهجرة فهي زيادة على الحرب على النظام اندفعت إلى تكفير المجتمع في محاولة لتفسير متعسف لأقوال المفكر الكبير سيّد قطب، واستمرت هذه التيارات تواجه النظام المصري عشرات السنين، ولكنها انتهت إلى مراجعات فكرية في السجون بلغت الحد بإصدار كتب ودراسات تفيد بهذا المعنى.

بين السلمية التي نهجها الإخوان المسلمون كتنظيم كبير منتشر في مصر، وتنظيمات العنف في مصر جدل مستمر، حيث يحاول كل طرف الإشارة لصاحبه بأن أسلوبه لن يصل بالتيار الإسلامي إلى الهدف وهو تحكيم شرع الله، وتأتي النتائج لكل طرف لتقول بمعنى أو عكسه للطرف الأخر بصحة أو عدم صحة الأخر.

وقبل أن نصل إلى نتائج من عرض مواقف أصحاب خيار السلمية، وأصحاب خيار المواجهة المسلحة يبدو أنه من المفيد الانتقال إلى تجارب الإسلاميين في مجتمعات أخرى، وعلى رأس ذلك تجربة الإسلاميين في سورية حيث المعركة الدامية بين الإخوان والنظام البعثي منذ عشرات السنين، ولم يلتزم الإسلاميون خط السلمية في مواجهة النظام المتعسف الذي لا يعرف أسلوبا للحكم إلا العنف البوليسي، حارما الناس من أبسط حقوقهم السياسية، وهكذا انخرط الإخوان المسلمون في معركة لم تتوقف، والآن يندفع معهم السلفيون وجماعات العنف المسلح، وفي الأردن اتجه الإخوان المسلمون إلى أكثر من السلمية في العلاقة مع النظام، اتجهوا منذ البداية إلى تعزيز الآصرة بينهم والقصر الملكي، والتعاون معه في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد النظام، واتجهوا إلى تحرير النظام من الحرج فلم يتحرشوا بإسرائيل من قريب أو بعيد رغم إن معظمهم أخوان فلسطينيون مطرودون من فلسطين، وهم كذلك على علاقة حسنة في دول كثيرة مع النظام، كما هو حالهم في اليمن والمغرب والسودان ولبنان وسوى ذلك، إلا أنهم كانوا في مواجهات قاسية مبنية على الشك وسوء الظن بينهم ونظام المملكة السعودية ونظام زين العابدين والقذافي.

ما يمكن استنتاجه الآن هو أن سبيل العنف لم يحقق لأصحابه شيئا على أرض الواقع إلا مزيدا من الخراب والدم، وقتل قيادات هذا النهج وتشريدهم والزج بهم في السجون، كما أنهم اضطروا إلى تحريف النصوص والسنن عن مواطنها، واستهانوا بالدم والحرمات والأملاك العامة، ولكن المحزن إن تيار السلمية لم يحقق شيئا وهو يدفع أثمانا باهظة من استقرار بنيه وحياتهم وأملاكهم لدرجة أن خصومهم من رجال الأمن كانوا يكتبون عنهم على حيطان الشوارع “الخرفان المستسلمة”، وها هي العملية السياسية السلمية التي التزموها ورفعتهم إلى مواقع السيادة في مؤسسات الدولة تتبخر ولم يعد لها وجود.

إنهم يمدون أيديهم بسلام إلى القيود والمحاكمات المفبركة، ويسلمون ظهورهم للسياط بلا مقاومة.

بين السلمية والعنف رحلة طويلة من المعاناة، ولم يستطع أحد المنهجين التأكيد على صحة نهجه وإقامة الحجّة على أصحاب النهج الآخر، وحتى هذه اللحظة لم ينج أي من التيارات الإسلامية في الوطن العربي من الفشل والإخفاق بشكل أو بآخر، وهذا ما يدعو حقيقة إلى مراجعة المسألة كلها بما هو أعمق، حيث كما يبدو ليست المشكلة في السلمية أو العنف لأن هذه المسالة لا ينبغي أن تكون خيارات ثابتة مستقرة، إنما هي أدوات تتحول حسب الحاجة المناسبة، وإن التعسف بجعل هذا النهج أو ذاك ثابتا مستقرا رغم تبدل الوقائع، إنما هو من الناحية الإستراتيجية خبل ويعبّر عن جهل بآليات الصراع.

إنه الفشل الذي أصبح مرافقا لنشاط التيار الإسلامي في معركة المغالبة والدفع السياسي، وبالتأكيد المسألة ليس لها علاقة بعنواني الموضوع السلمية والعنف، إنه ذو علاقة رئيسية بكيفية الفهم وبمجال الوعي السياسي، فإن تضخم التيار الإسلامي في الوطن العربي لا يعبّر عن قوته ولا عن دوره، ولا عن تأثيره في حياة الناس، إنه انتفاخ وهمي أو ضجيج يروج له الأعداء أحيانا لكي يسهلوا عملية الحصار والضرب وتشويه الإسلام.

إن العقلية الكلاسيكية التي تتحكم في عقل التيار الإسلامي نأت به عن معترك الحياة، حيث لا يزال العقل في دائرة التيار الإسلامي يفكر ويخطط ويتنبأ في دائرة عالمه هو ليس عالم الحياة، ويمعن أصحاب خيارات التيار الإسلامي في التشبث بالتكتيك وجعله مقدسا، ويدعون إلى الصبر عليه وكأنه عبادة يرفضون التبديل والتعديل.

وهنا لابد من ملاحظة أن التيار الإسلامي نجح إلى حد كبير في الدعوة والتنظيم والمعارضة، والتحريض ضد الآخرين لكنه فشل فشلا ذريعا في منطق الحكم، إن عقلية المعارضة ظلت هي المتحكمة فيه وهو يعتلي مواقع القرار، ويتصدر صفوف القيادة، فلا زال وهو في الصف الأول يحمل المشاعر نفسها ضد خصومه، ويتحرك لنيل التأييد لمظلوميته ناسيا أنه أصبح في موقع القرار، لم ينتقل التيار الإسلامي من مواقع المعارضة نفسيا أو فكريا أو ممارسة إلى موقع الحكم ومنطقه، فلم يكن بذلك أهلا للحكم بغض النظر عن الجانب الأخلاقي، نحن هنا نتكلم بقوانين ومعايير لا تحابي أحدا.

وهناك مسألة أخرى غير مفهومة أبدا إنها غياب المعيارية، فمثلا لماذا يشن التيار الإسلامي الحرب على النظام في سوريا، ويهادن في الأردن ويلتزم السلمية في مصر؟ ولماذا يرفض المشاركة في حكم الأسد فيما تلهج ألسنته بالمدح والذكر للملك محمد السادس في المغرب؟ لماذا يقبل حكما ملكيا وراثيا ويسكت عن طرده من البرلمان، وتوضع له قوانين تلجمه في الأردن، ويقاوم ذلك في مكان أخر، على أي اعتبار يتم انتخاب نهج دون سواه؟ هل على اعتبار الأقل سوءا في الموقف تجاه الإسلام وفلسطين؟ أم على اعتبار الأكثر اقترابا من الغرب ورضاه؟ هذه مسألة لابد من مناقشتها بحزم وعدم ضبابية، لأن تحديد المعيار هنا سيقود إلى أسلوب آخر لن يكون عبارة عن ثنائية العنف أو السلمية بالطريقة المقدمة.

إن تطورا ضروريا على صعيد الأفكار والوعي والفهم لابد منه لدى قيادات التيار الإسلامي، مشفوعا بالحرص على المجتمعات والدول، كما أنه لابد من الانعتاق من روح المظلومية والتباكي والتشكي إلى منطق رجال الدولة ووعي مستلزماتها.

كما أنه لابد من الإشارة إلى مسألة أخرى ضرورية ومهمة لنجاة مجتمعاتنا أيضا، وهي إلى أين تريد أنظمة الجور الدفع بالتيار الإسلامي، فهي إن لم تقبل سلميته وتتجه لمحاصرته وتشن عليه الحرب الضروس، والفتك به فإنها تكون قد شجعت أصحاب منطق العنف فيه، فلابد من تشريك التيار الإسلامي  في عملية النقاش المجتمعي، وتيسير السبيل أمامه ليتنامى بشكل طبيعي مع تحصين الدول والمجتمع ضد احتمالات العبث، فإن في ذلك منجاة لمجتمعاتنا وتحصينها من الفوضى المرادة لها.

تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!