الإسلام دينٌ لدولة المسلمين
قرابة القرن منذ عودة العالم الإسلامي إلى التاريخ عبر عملية تفصيل خرائط الأوطان على يد الخيّاط الغربي، ثبُت أن العالم العربي الإسلامي غير قابل للتأهيل بأدوات الدولة الغربية الحديثة، سواء بصيغها الجبرية الشمولية أو بالصيغ الديمقراطية، وماتزال شعوبُه ونخبُه تبحث عن جسر عبور آمن، يُفترض أن تتحقق له ثلاثة شروط مسبقة: قبول شعبي واسع، استحسان من قوى الاستكبار المهيمِنة، نخبة قادرة على إنتاج ترجمةٍ قابلة للحياة لجمل الدولة الحديثة، لا تدخل في صدام مع الموروث الحضاري ومع عقيدة المسلمين.
حيال الشرط الأول، وبالرغم مما سُوِّق حول الربيع العربي، فإن الشعوب العربية لم تقاتل من أجل بناء الدولة الديمقراطية، على الأقل بمفاهيمها الغربية، وكان الربيع العربي انتفاضة على الظلم الاجتماعي أكثر منه ثورة على الاستبداد لصالح الديمقراطية، وإلا ما كان ليسلم بتلك السهولة في ما تحقق له في مصر والجزائر وتونس، مع وصول قوى سياسية جديدة إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، وظهر لاحقاً أن قوى الاستكبار لم تكن راغبة أصلا في انتقال العالم العربي إلى الديمقراطية لا مع الإسلاميين، ولا حتى مع القوى الليبرالية.
كثير من الأدبيات الغربية أواسط القرن الماضي التقت عند تقييم مبتذل يدّعي أن العالم الإسلامي غير قابل للتعايش مع الفكر الليبرالي الديمقراطي الذي هو “ميزة حصرية” كما يدّعون للحضارة الغربية المسيحية، في إشارة إلى البُعد الديني المعطِّل والمعوِّق في الإسلام لكثير من القواعد المؤسِّسة للفكر الليبرالي، ومع ما في هذا التقييم من مضامين عنصرية إثنو مركزية، فإنها تظل صادقة على الأقل من جهة حصيلة الإخفاقات التي واجهت معظم النخب العربية القومية: الليبرالية ثم الإسلامية، في إنتاج ترجمةٍ مقبولة للدولة الحديثة بالأدوات الغربية الليبرالية كما بالمقاربات الاشتراكية.
العرب لهم في تاريخُهم العريق منذ اعتناق الإسلام تجربة رائعة وسابقة للشعوب الغربية مع مفاهيم الحرية، والحق في اختيار ولاة الأمر، كما مع مفاهيم الفصل بين السلطات، وحقيقة القضاء المستقلّ، وهي مفاهيم لم تكتمل حتى يومنا هذا في أعرق الديمقراطيات الغربية. وحتى بعد انتقال نظام الحكم من الخلافة الراشدة، القائمة على الشورى، إلى الحكم العضوض، فإن المسلمين احتفظوا حتى سقوط الخلافة العثمانية بمؤسسةٍ تشريعية مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية، كان يتولاها الفقهاء ممن ترضاهم الشعوبُ المسلمة، وبقضاءٍ مستقل قلّما خضع للحاكم، ولم يكن الإسلام الذي حرر حرية المبادرة من معظم القيود، وحرّض على العمل وطلب العلم وحسن الاستخلاف في الأرض، ليعوق مشاركة الشعوب الإسلامية في حركة الإنماء وخلق الثروة.
وحيث أنه ليس في الموروث الثقافي والاجتماعي ولا في عقيدة المسلمين، ما يمنع قيام نظام حكم حديث، قائم على الحرية، وعلى الحق في اختيار ولاة الأمر بأدوات الشورى، والفصل الفعلي بين السلطات، واستقلال السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية، فإن المسؤولية تعود حتماً إلى النخب، ومنها النخب الإسلامية، بالبحث عن نموذج مستوحى من هذا الموروث الحضاري المقبول شعبياً، بدل استنزاف الجهد، وتضييع الفرص تباعاً في توطين النموذج الغربي غير القابل للحياة في مجتمعاتٍ مسلمة، أدقّ تفاصيل الحياة فيها محكومة بتشريعٍ سماوي غير قابل للتعايش مع التشريعات الوضعية.