الرأي

الإعلاميّون الجُدُد.. “تزوَّج رجلٌ رجلاً”

“الإعلاميون الجُدد”، عبارة تستدعي الانتباه، وتُثير حالاً من الاستفزار لدى المستمع، سواء أكان من المنتمين لمجال الإعلام بشكل مباشر بحكم الوظيفة، أو صاحب علاقة غير مباشرة، أي أنه ـ في الحالتين ابن المهنة وليس دخيلاً عنها، وهذه الفرضية ـ اعتماداً على مفهوم” الإعلاميُّون الجُدُد” ـ تقودنا حتماً إلى طرح ثلاث قضايا كبرى.

أولها: أن الاعتراف بوجود إعلاميين جدد، هو تأكيد على وجود إعلاميين قدامى، وهذا محقّق من الناحيتين النظرية والتطبيقية، ولا يحتاج إلى نقاش، فسنة الحياة تقوم على التطور، والزمن في حركة دائمة، ولا يمكن للمشتغلين في الإعلام أن يظلوا ثابتين في مواقعهم، هُمْ وأفكارهم.. إذن ما جدوى هذا التصنيف إذا كان الأمر متعلقاً بتدافع البشر وبتوارث الأجيال ـ طوْعا أو كُرْها ـ للتجارب؟.

تأتي الإجابة مختصرة، في تلك المعايشة لوجود مجموعة من الدخلاء في مجالات الإعلام المختلفة في سياق تجربة عامة تجتاح العالم كله، حيث نرى الدخلاء في كل المهن، وإن كانت في مجالنا أكثر تأثيراً وظهوراً.

تأتي الإجابة مختصرة، في تلك المعايشة لوجود مجموعةٍ من الدخلاء في مجالات الإعلام المختلفة في سياق تجربة عامَّة تجتاح العالم كله، حيث نرى الدخلاء في كل المهن، وإن كانت في مجالنا أكثر تأثيراً وظهوراً.

ثانيها: تكدُّس المعرفة لدى الجميع، واستباحتها من كلّ الأطراف، عَمَلاَ مُجْتَمعيْن على صناعة أخبار من نوع خاص، ليس مُهماًّ مصداقيتها، بقدر ما يتم التركيز على كُثْرَتِها وتداولها على أوسع نطاق، حتى غدت لغة الأرقام هي: الحكم، والمقياس، والدَّافع على اتِّخاذ المواقف، هنا نلحظ أنَّ البشريَّة تتَّجه نحو واقع افتراضي، شكَّل في بعض الحالات واقعاً حقيقيا على غرار ما رأينا في الانتفاضات العربية، بغض النظر عن نتائجها، حتّى إذا ما تأكَّد عدم جدوى التغيير المفترض نتيجة تحول الافتراضي إلى واقعي، عادت المتابعة إلى حيث بداية الانطلاق.

ثالثها: تحويل الإعلام إلى منصة خاصّة، لكنها عديمة السرية، وربما لأول مرّة نواجه في تاريخنا البشري هذا التداخل، الذي نعيشه اليوم بين ما هو خاص وماهو سري، لدرجة أن تعميم الخصوصيات ـ بما يحمل من عقد نفسية، أو خضوع اجتماعي، أو تعصب عرقي وديني ـ يبدو اليوم حالة مرضيَّة مُسْتعصيّة عن العلاج، وحين تُصاب البشرية كلها بهوس الصور من خلال”سيلفي” مثلا، فإن ذلك لا يعني الحفاظ على الذكريات، وإنما يعني تحويلها إلى مُعَايشة تفقد الخصوصية، وبالذات حين تتعلق بأفعال لا نودُّ كشفها لأنفسنا، فإذا بنا نجعلها مباحة للجميع للمشاهدة بما فيها تلك المتعلقة بالعلاقة مع الذات، أو تلك المعبرة عن حميميَّة بين الذكر والأنثى، وفي السياق ذاته، يتم شخصنة ما هو عام، سواء أتعلق الأمر بالأخبار والمقالات والتحليلات، أو بالبرامج التلفزيونية والإذاعية، وينطبق الأمر أيضا على الصحافة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

القضايا الثلاث السابقة تجرُّنا إلى الحديث عن شرعيَّة العمل الإعلامي الراهن، وإلى تصنيفه من خلال اختيارنا لتطبيقاته في مختلف المجالات، وهو حديث فيه من الجدِّ ما يجعله مُمَيَّزا عن تجارب البشر في مراحل سابقة، وفيه من اللغوّ ما يجعلنا أسرى الحنين إلى الماضي المهني، وفيه أيضا من تعايش الحالتين معاً، لكن مع عجزنا الواضح على قدرة الفصل بينهما.

العمل الإعلامي الراهن ليس مؤسساتيا ينبثق من عمل جماعي، بالرغم من أنه قد ينتهي إلى ذلك، ولا هو مستوفٍ لشروطه المطلوبة، خاصة تلك المتعلّقة بالأخبار، إذ ليس مهما بالنسبة للمستهلكين من ينتج الأخبار أو من يبثها، ولكن المهم أن تتواجد على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يعني أنه تجاوز مرحليَّة الشرعية ليصبح معبّرا عن الطغيان، حتى إن الاعتراض من ذوي الاختصاص لم يعد مسموحاً به ـ ولو من باب التصحيح ـ لأجل تقديم أخبار تتضمَّن إجابة عن الأسئلة المعروفة(من، متى، أين، ماذا، كيف، لماذا).

وفي نفس السياق، لم يعد الخبر”عضَّ رجلٌ الكلبَ” وإنما “عضَّ رجلٌ رجلاً”، وإذا ذهبنا بعيدا “تزوّج رجلُ رجلاً”، ما يعني تغير الأخبار شكلاً وموضوعاَ، وهذا ليس شرًّا كله، لكن خطورته تأتي من عدم تأكيده من جهة محايدة، حيث إن مصادر الأخبار أصحابها أنفسهم، ولا أحد يحاسبهم على عدم صدق أخبارهم، كما أن لا أحد يمنعهم من النشر، فهم الصحفي وإدارة التحرير والناشر أيضا.. إلخ.

لا شك أن كثيرين يرون في ذلك حرية، أخذت بفضل التكنولوجيا، وهم محقون في ذلك، إذا نظرنا إلى الأمر من زواية اتساع مساحة النشر وزمن التعبير وحركة الأفراد في الحياة، لكن حقيقة الأمر غير هذا، إذْ ما جدوى أخبار تنشر دون المرور عبر مؤسسات إعلامية، وصاغها وجَوَّدها أهل خبرة، وأيّدت صدقيتها أكثر من جهة؟.. إنه وضع متأزم تحوم حوله الشبهات نتيجة وجود غرباء في فضائه، وإن بدا متنوعا وثريا إخباريا، وأحيانا جذابا وممتعا، وأولئك الغرباء أو الدخلاء هم من نطلق عليهم الإعلاميين الجدد.

قد يتساءل البعض: كيف لنا أن نعتبر الإعلاميين الجدد غرباء، وهم المتحكمون في الإعلام اليوم، ومساحة الاعتراف بهم آخذة في الاتساع لدرجة يخيل أنهم سيصبحون بديلا عن الإعلاميين الشرعيين؟.

إن فرض الوجود بالقوة لا يعني شرعية الموجود، مع اعترافنا بأن كثيراً من الدخلاء نجحوا في مجال الإعلام إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية التخصص، حتى أننا نجد نسبة كبيرة من الذين نجحوا في الماضي من تخصصات علمية مختلفة، بل ومن تجارب بعيدة عن مجال الإعلام، ومع هذا فقد حققوا نتائج مشرفة ومثمرة مقارنة بأهل الاختصاص، لكن هؤلاء وأولئك تتلمذوا على خبراء في الإعلام، واكتسبوا معرفتهم وتجاربهم  من مؤسسات إعلامية كبرى، إضافة إلى دوافع نفسية واجتماعيّة من أجل إثبات الذات، أمّا من نُسيمهم بالجدد أو الدخلاء، فمعظمهم تحّول إلى واقع بفضل مواقع التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة