الإعلام العربي في امتحان
لا شيء يفيد العنف المسلح مثل الترويج له وإشاعة ما يريد من تهديد للحياة والأمن والاستقرار.. ولقد أصبح الهواة من الكتاب والإعلاميين والوسائل الإعلامية المسيّسة تلاحق كل خبر صغير ومحدود فتكبّره وتعقد له ندوات وتستجلب خبراء ومتحدثين يضخمون ويكبرون الصغائر حتى يشيع في الناس جو من الإرهاب وينتهي الأمر إلى إرباك الوضع العام واستنزاف مشاعر الناس وأعصابهم.
الملفت أنه لا يخلو يوم من عنف مسلح في الولايات المتحدة الأمريكية بشتى الصور: قتل واقتحام واشتباكات مسلحة في أماكن عامة تستهدف الأطفال والشيوخ والأماكن العديدة.. ولعل معدل الجريمة في أمريكا يسبق أي معدل في أي مكان آخر.. ومع ذلك، لا نسمع ولا نشاهد في المواقع العربية والفضاءات العربية كـ “الجزيرة” و”العربية” و”الميادين” منها شيئا، ولكن هذه المحطات تجري وراء أي عمل مهما كان محدودا في المنطقة العربية وتحوّل البث كله حول الموضوع.
إن الإعلام في امتحان حقيقي.. ماذا يريد الإعلامي العربي ووسيلة الإعلام العربية؟ هل تريد ترويج الترهيب الذي تبتغيه المجموعات المسلحة هنا وهناك..؟ هل تريد وسائل الإعلام العربية القول لنا إن بلاد العرب ستقع الواحدة تلو الأخرى في قبضة العمل المسلح والمواجهات؟ وأي فائدة للأجانب وإسرائيل من أن يسري الخوف في مجتمعاتنا والفتنة بين أبنائها حتى لو لم يكن لها جذور؟
أجل إن لدينا نواقص وأخطاء وتجاوزات في تسيير حياتنا، ولكننا نفهم أن الرد عليها لا يكون بفرد الصفحات والتغطيات الكبيرة لأعمال متطرفة مسلحة.. هناك فرق كبير بين الخطإ والخطيئة وبين الترميم والتدمير وبين الإصلاح والعنف.. نحن نفهم أن مجتمعاتنا ترفض العنف المسلح وهو ليس من تراثها بل هي ضحيته دوما.. وأمتنا تكتنز من المعارف والثقافات ما يجعلها غير قابلة للتعايش مع العنف المسلح.. ثم إن مجتمعاتنا محصنة ضد نتائج العنف المسلح الذي لا هدف له إلا انشطارات البلد ومكوناته الثقافية والجهوية..
والغريب أن وسائل الإعلام تلك، ومن ورائها وسائل الإعلام الأمريكية والغربية، ترفض لنا أن نقيس على ما هو موجود بالغرب.. فهل تقبل الولايات المتحدة الآن أن تخرج فئة من المجتمع تنعزل عنه بقيمها وواقعها وتحمل السلاح وتقاتل الدولة المركزية؟ لقد رأينا كيف أن الولايات المتحدة تصرّ بقوة على حسم أي تطرف فيها بقوة وعنف وسرعة، والأمر نفسه نراه في روسيا وسواها من دول العالم.
الإعلام العربي والوطني في الامتحان حيث لا بدّ له أن يعري صورة الإجرام والعنف وأن يُظهره بما هو جوهره، ثم فليصبح الإعلام مبشرا بالقيم والحياة التي تستند إلى مرجعية يجمع الناس على احترامها وقيمها.. والإعلام العربي والوطني في ذلك إنما ينأى بنفسه عن أي عمل يتم فيه الترويج لتلك الفصائل.. ويحبطها ويفنّدها ويهمشها تاركا المجال الأوسع إن أمكن لمنطق التآخي والتصالح ونشر الوعي والقيم وروح الانتماء وتفنيد دعاوى الشر والخراب.. وتحصين المجتمعات بما ينفعها ويفيدها ويحبط أحلام المتربصين بالعباد والبلاد السوء.. تولانا الله برحمته.