الجزائر
من رحاب القرآن الكريم بتيميمون إلى منبر الإمامة بخنشلة

الإمام “حجوب” صوت المسجد ورفيق المجتمع في الأفراح والأقراح

مامن. ط
  • 110
  • 0
ح.م

لا تقتصر مهمة الإمام، على الوقوف في المحراب لإقامة الصلاة أو اعتلاء المنبر لإلقاء خطبتي الجمعة، فالإمام في المجتمع الجزائري، ظل على مرّ السنين صوتاً للتوجيه والإرشاد، ومعلماً للقرآن الكريم، ومرجعاً في مسائل الدين، وحاضراً إلى جانب الناس في أفراحهم وأتراحهم ومختلف المناسبات التي تجمع أفراد المجتمع.
وبين المحراب والمنبر وحلقات تعليم القرآن، تتشكل يومياً قصص رجال اختاروا أن يجعلوا من العلم وخدمة الناس رسالة ومسؤولية، وقدوتهم في ذلك رائد النهضة عبد الحميد بن باديس وإمام العلماء البشير الإبراهيمي وسيد الشهداء العربي التبسي.
في اليوم الوطني للإمام، تبرز مسيرة الإمام ختير حجوب كواحدة من هذه التجارب التي بدأت مبكراً مع كتاب الله، حين كان طفلاً في مسقط رأسه بأولاد راشد بولاية تيميمون، قبل أن تقوده رحلة حفظ القرآن وطلب العلم إلى عالم الإمامة والتدريس والخطابة، ثم إلى ولاية خنشلة التي واصل فيها مسيرته لأكثر من عقد، فهناك تبدأ حكايته من محراب مسجد صغير، ومن آية حفظها في سن الطفولة، لتتحول مع مرور السنوات إلى رسالة عمر ومسار حافل بالتعلم والتعليم والإرشاد، فكانت أولى خطوات الإمام ختير حجوب، في عالم القرآن الكريم من مسجد سيدي يحيى بأولاد راشد، حيث شرع في حفظ كتاب الله على يد الإمام أحمد غزالي، رحمه الله، وفي تلك المرحلة المبكرة، بدأت تتشكل ملامح علاقة خاصة بين الطفل والقرآن، علاقة لم تكن مجرد حفظ للآيات والسور، وإنما كانت بداية لمسار طويل اختار خلاله أن يجعل من العلم الشرعي والإمامة مشروع حياة، وفي سنة 2001، وكان يبلغ من العمر أنذاك 13 سنة، انتقل إلى المدرسة القرآنية الداخلية بقصر لعياد بتسابيت، ليواصل رحلة حفظ كتاب الله في بيئة علمية وتربوية متخصصة، وهناك أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً على يد الشيخ الحاج محمد عبد الفتاح، الذي يذكره الإمام ختير حجوب بكثير من التقدير، متمنياً له دوام الصحة والعافية، ولم تتوقف الرحلة عند حفظ القرآن الكريم، إذ فتح إتمام الحفظ أمامه أبواب مرحلة جديدة عنوانها طلب العلم والتفقه في الدين، فقد تلقى علوم اللغة والفقه والتربية والأخلاق والميراث، إلى جانب مختلف العلوم والمعارف المرتبطة بالدين، في مسار جمع فيه بين حفظ النص القرآني ومحاولة فهمه وتحصيل الأدوات العلمية التي يحتاجها طالب العلم والإمام، وبالتوازي مع مساره الشرعي، تحصل على مستوى الثالثة ثانوي، قبل أن يتجه نحو مرحلة أكثر تخصصاً في تكوين الأئمة.
في سنة 2011، شارك ختير حجوب في مسابقة الالتحاق بالمعاهد، وكان اختياره لمعهد سيدي عبد الرحمان اليلولي بولاية تيزي وزو محطة مهمة في مسيرته، وبتوفيق من الله، نجح في المسابقة من أول مشاركة، ليلتحق بالمعهد ويقضي به ثلاث سنوات من التكوين في مجال الإمامة، قبل أن يتخرج سنة 2014 برتبة إمام مدرس، وهكذا انتقل من مرحلة طالب العلم وحافظ القرآن إلى مرحلة جديدة أصبح فيها مؤهلاً لتحمل مسؤولية الإمامة والتعليم والإرشاد، وهي مسؤولية تتجاوز الوقوف أمام المصلين لإقامة الصلاة، لتشمل التعليم والتوجيه والمساهمة في خدمة المجتمع، ليعين سنة 2014، من طرف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بولاية خنشلة، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية.

منابر خارج الوطن ورسالة تتجاوز الحدود
وكانت أولى محطاته بمسجد علي بن أبي طالب بحي بوجلبانة، قبل أن ينتقل إلى مسجد السعادة، ثم إلى مسجد أنس بن مالك بحي 05 جويلية بولاية خنشلة، الذي أصبح فضاءً رئيسياً لممارسة رسالته في الإمامة والتعليم والخطابة، ليرتبط اسمه بمساره المهني داخل مساجد الولاية، مواصلاً أداء مهامه في الصلاة والخطابة وإلقاء الدروس والتعليم القرآني.
إمام معتمد لدائرة الحامة، عيّن بعدها إماماً معتمداً لدائرة الحامة بولاية خنشلة، وفي سنة 2024، تم ترقيته إلى رتبة إمام أستاذ، وهي محطة جديدة في مساره المهني الذي امتد لسنوات بين التكوين والممارسة والتعليم، وتحصل على شهادة الإجازة في الأربعين النووية بالسند العالي، ليضيف بذلك محطة أخرى إلى مساره في طلب العلم والاشتغال بالعلوم الشرعية.
ولم تقتصر تجربته في الإمامة على الجزائر، فقد كانت له تجربة في فرنسا، حيث أدى صلاة التراويح خلال سنتي 2017 و2018 ببيزانسون، وكانت تلك التجربة فرصة أخرى لممارسة الإمامة وخدمة المصلين خارج الوطن، في تجربة أضافت إلى مساره المهني والإنساني أبعاداً جديدة. وبين أول آية حفظها في مسجد سيدي يحيى بأولاد راشد، وبين وقوفه اليوم إماماً أستاذاً وإماماً معتمداً وخطيباً بمسجد أنس بن مالك، تبدو مسيرة ختير حجوب أشبه بخيط واحد لم ينقطع عن القرآن الكريم، طفل في الثالثة عشر يلتحق بمدرسة قرآنية داخلية، ثم حافظاً لكتاب الله، فطالباً للعلوم الشرعية، ثم إماماً مدرساً، وبعدها إماماً معتمداً، وصولاً إلى رتبة إمام أستاذ، مع استمرار حضوره في مجال الخطابة والدروس والتعليم القرآني.
تستحق مثل هذه المسيرة أن تُروى، ليس فقط باعتبارها سيرة مهنية، وإنما باعتبارها قصة ارتباط مبكر بالقرآن الكريم، ثم رحلة طويلة في طلب العلم وخدمة بيوت الله والمصلين.

مقالات ذات صلة