-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإنسانية في الغرب فقط!

بقلم الأستاذ خليل بكوش
  • 608
  • 0
الإنسانية في الغرب فقط!

صحيحٌ أن ظروف الحرب القاهرة التي يمرّ بها الشعب الأوكراني منذ 24 فبراير الفارط، لا يقبلها المنطق من الجانب الإنساني والتضامن مع مبدأ حق الإنسان في العيش، باعتبار أن الحياة اليومية للمدنيين أصبحت تشهد تدنِّيا رهيبا في مستويات المعيشة وحتى في الحصول على متطلبات اللجوء، أو -إن صح القول- صعوبة الهروب إلى الدول المجاورة عبر المسارات التي رسمتها مفاوضات الدولتين في خضم الحرب الدائرة بينهما، لاسيما أن كل الجبهات الأوكرانية تشهد معارك واشتباكات بين القوتين العسكريتين.

لكن في ظل ردود الأفعال الدولية، سواء الرسمية عبر المنظمات السياسية والأحلاف العسكرية، أو حتى غير الرسمية من خلال التنديدات المتواصلة للعالم الغربي بقيادة بايدن وحلفائه الأوروبيين من الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، بالتركيز على الظهور الإعلامي اليومي على وسائل الاتصال الجماهيرية، وخلف تدوينات المنصات الافتراضية، سواء بهدف التنديد والإصرار على استبعاد روسيا من الساحة الدولية، وتحقيق استمرارية النظام الأحادي، أو جعل الأزمة كإحدى أهمّ استراتيجيات القيادة السياسية لبلدانهم، على غرار حملة ماكرون الانتخابية في فرنسا، أو استعطاف جونسون للمساءلات الدورية لمجلس العموم في بريطانيا.

غير أن الأدهى والأمرّ من ذلك، هو التغطيات الإعلامية لوسائل الإعلام الجماهيرية الغربية عبر مراسليها الذين لم يخفوا حقيقة الانتماء والذاتية في تغطية الحرب بعيدا عن معايير المهنية وأخلاقيات الإعلام، معتبرين أن الأمر لا يصدَّق، وهو ما صرّح به تشارلي داغاتا المراسل الأجنبي لمكتب لندن التابع لشبكة “سي بي إس”، في بث على الهواء مباشرة من كييف بقوله صراحة “هذا ليس مكانا -مع كل الاحترام الواجب- مثل العراق أو أفغانستان، حيث يدور صراعٌ محتدم منذ عقود… كما تعلمون هذه مدينة حضارية نسبيا وأوروبية نسبيا”، كما أن مراسلة “إي تي في” البريطانية وصفت اللاجئين الأوكرانيين الذين يعبرون الحدود إلى بولندا بأنهم “ليسوا لاجئين من سوريا، بل من أوكرانيا المجاورة. بصراحة هؤلاء مسيحيون؛ إنهم بيض، ويشبهون الأشخاص الذين يعيشون في بولندا”، وهنا تتضح الصورة الفعلية لموضوعية وسائل الإعلام الجماهيرية في التغطيات الصحفية لمختلف الأحداث العالمية.

حينما يرفع أبو تريكة قميصه سنة 2014 معبّرا عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني فذلك يعدّ “خلطا للسياسية مع الرياضة”، وعندما يقف لاعبو كرة قدم سنة 2022 قبل بداية كل المباريات دقيقة صمت بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فذلك يعدّ ت”ضامنا وإنسانية”!

ولعلّ تصاعد التنديدات الغربية المتواصلة برفض الاجتياح الروسي غير المبرر لأوكرانيا، والإعلان عن حزمة من العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية بغرض عزل روسيا عن العالم الخارجي، كأساليب فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات على البنك المركزي الروسي وصندوق الثروة السيادي، وكذا إزالة بعض البنوك الروسية من نظام “سويفت” للتحويلات المالية العالمية، فهي كلها أمثلةٌ تذكّرنا بأبشع أنواع المعاملات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من قبل الكيان الصهيوني منذ “تنازل” بريطانيا سنة 1948 إلى غاية اليوم، هذا إن لم نقل منذ وعد بلفور المشؤوم سنة 1917، إذ يتعرّض الفلسطينيون لمختلف أنواع التعذيب، الترحيل القهري من الأراضي والمباني، وأشكال الحصار الاقتصادي والاجتماعي بغية القضاء على تواجد أصحاب الأرض الحقيقيين، لتتراءى بوضوح ازدواجية التعامل مع القضيتين بين تجليّات الديمقراطية الزائفة ومعالم الإنسانية المصطنعة في معالجة القضايا الدولية، لاسيما إذا تعلق الأمر بتهديد المصالح الغربية التي تصل في أغلبها إلى وصف الرئيس الروسي بـ”مجرم الحرب” من طرف الرئيس الأمريكي، وتحميله مسؤولية جرائم الحرب من طرف رئيس وزراء بريطانيا، لكن عندما يتعلق الأمر بفلسطين، تصبح القضية داخلية ومن اختصاص الاحتلال الصهيوني سياسيا ودوليا.

ولا تسمح القوانين والأعراف الدولية بمزج شؤون الحرب بمجالات الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وحتى الرياضية منها، لأنَّ الإنسانية وجهٌ لعملات المصلحة والانتماء، فحينما يرفع أبو تريكة قميصه سنة 2014 معبّرا عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني فذلك يعدّ “خلطا للسياسية مع الرياضة”، وعندما يقف لاعبو كرة قدم سنة 2022 قبل بداية كل المباريات دقيقة صمت بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فذلك يعدّ ت”ضامنا وإنسانية”!

وفي الختام، لا بأس أن نستذكر في هذا المقام ما كتبه الشاعرُ الفلسطيني محمود درويش في إحدى المرات عندما لخّص الحرب في مقولة أنها “سَتَنْتَهِي ويتصافح بعدها القَادَةُ، لتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحَبِيبَ وأولئك الأطْفَالُ يَنْتَظِرُونَ وَالِدَهُمُ البَطَلَ . لَا أعْلَمُ مَنْ بَاعَ الوَطَنْ وَلَكِنَّنِي رَأيْتُ مَنْ دَفَعَ الثَمَنْ”، فعلاً صدق الأستاذ محمود؛ فالكل يعرف من يدفع الثمن، لكن هل سيجد هذا الكلّ الدولي حلا للقضية الفلسطينية في ظل الجهود المتواصلة للأزمة الروسية الأوكرانية؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!