الرأي

الإنسان والسياسة والعمران…

محمد سليم قلالة
  • 4202
  • 13

سألت صديقي القادم للتو من الولايات المتحدة الأمريكية بعد أكثر من 30 سنة من الإقامة وأنا أرافقه داخل أحياء إحدى مدننا: ما الذي يجعلك تَحكم على هذه المدينة بأنها تنتمي إلى العالم المتخلف أو المتقدم؟ قال: أوضِح أكثر، قلت: هل هي نوعية الناس، وجوههم، شكل اللِّباس لديهم، طريقة سيرهم، أكلهم، شربهم، طبيعة المحلات، نوعية المطاعم، النظافة، الإنارة، تنظيم السير… إلخ.

أجابني بعد هنيهة من التفكير: كل هذه العناصر ذات صلة بإعطاء طابع التخلف للمجتمع والمدينة، ولكن العامل الأساس الذي يصنع الفرق في تقديري، هو العمران وطريقة تنظيمه وطابعه، هو العامل الرئيس الذي يؤثر في البقية بما في ذلك سلوك الناس وحركتهم وطريقة سيرهم ونوعية المعيشة التي يعشون بل وفي نفسيتهم ومزاجهم. وأردف قائلا: أول ما يصدمك في مدننا أنك لا تلاحظ أن لها نمطا عمرانيا معينا، يأخذ بعين الاعتبار الفضاءات الواسعة والعلاقة بين البنايات وطبيعة النشاط فيها من تجاري إلى سكني إلى ريفي إلى حضري… إلخ. وهذه الفوضى العمرانية هي التي مَنعت الناس من أن يمتلكوا نظاما في الحياة، وأن يسيروا وفق انضباط معين، ويعيشوا ضمن محيطات لها قوانينها إما السكنية أو التجارية أو الإدارية أو غيرها…

طبيعة العمران في بلادنا خليط من كل شيء، تجد السَّكن إلى جانب التجارة إلى جانب النشاط الحرفي إلى جانب الإدارة والمؤسسات العمومية والخاصة، الكل متداخل في بعضه ولا يُمكِّن المرء من تحديد نوعية المحيط العمراني الذي يعيش فيه، ومن الاستمتاع به، واكتساب حالة نفسية تُمكِّنه من أن يكون الشخص الذي يريد.

هو ذا الفرق الأساسي بين مدينة متخلفة وأخرى متقدمة.. الرصيف الواسع في المدينة المتقدمة، الذي لا يكون جزءا من محلات التجار لعرض سلعهم هو الذي يُمكِّن الناس من السير فيه دون حرج ويُعلِّمهم آداب الطريق. لا يمكنك أن تُقنع مواطنا بالسير على الرصيف وهو لا يراه إلا نادرا، أو يراه تارة ليغيب أخرى، أو يجد نفسه يزاحم آخرين عندما يلزم نفسه بالبقاء فيه… ولكنه بالضرورة سيسير في الرصيف الواسع النظيف ومع الجميع، وإن لم تُلقِّنه أي درس عن آداب الطريق…

وقس على ذلك بقية المظاهر السلبية التي نراها في أغلب مدننا، تَجَمُّع الشباب في زاويا الشوارع، وجلوس الكهول والشيوخ على حافة الأرصفة، ولعب الأطفال في كل مكان. أليس ذلك نتيجة خلل في العمران الذي مَنَع هؤلاء جميعا من أن تكون لهم مرافق، الشباب والكهول والشيوخ والأطفال؟ هل بإمكان المدرسة أو المسجد أو الأسرة أن تنجح في تربية الأبناء على آداب الطريق وهم الذين لا يجدون بديلا عنها للعب أو للجلوس؟ هل كان شبابنا سيستمرون وقوفا على قارعة الطريق لو كانت هناك نواد وأماكن للراحة والترفيه والرياضة على مقربة منهم وفي متناولهم؟ بكل تأكيد لن يفعلوا ذلك ولن يُفضِّلوا قارعة الطريق على مكان آخر أكثر أمنا وراحة، مُعَدٍّ خصِّيصًا لاستقبالهم.

وتماديت في أسألتي إلى صاحبي عن موضوع العمران: وكيف يمكننا أن نتعامل مع مدننا القديمة وأحيائنا الشعبية حيث صُمِّمت لمرحلة تاريخية غير مرحلتنا ولعدد من السكان غير الذي يعيش بها اليوم.

وجاءتني الإجابة عن هذا الشطر من السؤال أيضا، بأن الدول المتقدمة إنما حافظت على تراثها القديم ورمَّمته، وتركته على حاله، ولم تسمح بالتلاعب به، بقي مزارا للسياح أو مَكانا يتجه إليه الناس ليعرفوا كيف كانت الحياة بهذه المدينة أو تلك منذ قرون، أما الزيادة السكانية فقد تم تهيئة مدن جديدة لها وفق نمط عمراني مناسب للمرحلة التاريخية التي تعيشها ولحاجاتها المتجددة… لم يتم أبدا تشويه صورة القديم بالتوسعة أو التغيير، أو تكديس السكان به إلى درجة أن أصبحت هناك استحالة للإقامة به أو زيارته…

وهنا تَذكّرت كم حلمنا بأن تكون لنا مدن جديدة بنمط عمراني جديد ومناسب لمتطلبات العصر، وكم فشلنا في تحقيق ذلك، كل ما قُمنا به هو بناء أحياء سكنية على مقربة من المدن القديمة، أغلبها ذات غاية وحيدة هيئت ليبيت فيها الناس من غير أدنى تفكير في ما يُمكِّنهم من تحقيق تطور اجتماعي أو ثقافي جديد يكون في مستوى السكنات الجديدة التي يكونون قد سكنوها…

وتسارعت إلى ذهني تلك الإجابات التي كثيرا ما ردّدناها بشأن المانع من أن تكون لنا مدنٌ جديدة أو عاصمة جديدة. أفراد لا يريدون لامتيازاتهم العقارية أن تُمَس، وأصحاب فيلات لا يريدونها أن تفقد ولو جزءا ضئيلا من قيمتها لو تم تغيير عاصمة الدولة أو تم بناء مدن أفضل مِن مدنها الكبيرة… وعادت إلى ذهني الأسباب السياسية غير العمران، وكدت أقول لمحدثي إنني إذْ أتفق معك في أن العمران له كبير الأثر في الإنسان، فإن السياسية هي التي تضعهما في خانة الفساد أو الصّلاح، بعبارة أخرى أردت أن أقول له إن مشكلة العمران لدينا مثل مشكلة الإنسان هي مشكلة سياسية، وعلينا أن نتناولها من هذه الزاوية إذا أردنا تحقيق التقدم. لا يمكن للعمران أن يُغيِّر من طبيعته بذاته أو برغباتنا نحن الذين تنعكس علينا آثاره، ولا يمكن للإنسان أن يُكيِّف نفسه مع طبيعة العمران إذا لم تكن هناك سياسية خلف ذلك تعتني به وبحالته التعليمية والاجتماعية والنفسية…

أي إننا بحق إذا أردنا أن نُجيب عن ذلك السؤال: لمَ نحن متخلفون؟ علينا أن نَبحث بحق في جدلية العلاقة بين الإنسان والسياسة والعمران. هذا الثلاثي الذي يصنع التركيب السَّوي بين عناصره، الفرق بين المتقدمين والمتخلفين…

 بكل تأكيد العمران يبدو جليا في نقطة الوسط بين السياسية والإنسان، ولذلك يكون هو العنوان البارز باستمرار للتقدم والتخلف، كما أوضح صديقي، ولكن خلف العمران علينا باستمرار أن نبحث في نوعية الإنسان الذي يفكر في تصوره وتنفيذه ونوعية السياسة التربوية والتعليمية التي تتحكم في تكوين هذا الإنسان.

ولن نحتاج إلى كثير عناء لنكتشف طبيعة المرض في هذه العلاقة الثلاثية، حيث تبقى السياسة وطبيعة القيادة الفاقدة للرؤية والمشروع، هي العامل الحاسم في التأثير فيه. ولا يمكننا أبدا تصور إمكانية تغيير العمران ولا تربية الإنسان من غير البدء بامتلاك سياسة حقيقية ضمن رؤية واضحة إلى المستقبل ومتكاملة في جميع جوانبها.

لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من أن تُصبح الدولة التي هي عليها الآن من حيث التقدم التكنولوجي والقوة العسكرية والهيمنة على العالم بلغتها ونمط حياتها، لأنها امتلكت منذ أكثر من قرنين من الزمن رؤية واضحة لما ينبغي لها أن تكون، اعتنقتها قيادتها ونخبتها ومواطنوها ونَفّذوها ميدانيا ضمن مشاريع اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية صاغت طبيعة العمران الذي أصبحت عليه الآن وجلعت من الإنسان جزءا منه حتى وإن قدِم من أكثر البلدان تخلفا في العالم. فبمجرد أن تضع قدمك في هذا العالم الجديد تضطر إلى تكييف نفسك مع نمطه العمراني والسياسي والثقافي السائدين فيه، ولن يطول بك الزمن لتَتغير فيه أيضا كإنسان، وهذه هي الحضارة… وإنْ كُنّا على طرفي نقيض مع روحها…

مقالات ذات صلة