الرأي

الإنقلاب الإفتراضي الذي كشف أُمية الرئيس ماكرون في الرقمنة..!

في دردشة مع ابنتي، التي اخبرتني بتاريخ 11 ديسمبر 2025 بفيديو على الفايسبوك حول  انقلاب عسكري في فرنسا، وهذا الفيديو تزامن مع الذكرى الـ 65 لإنتفاضة الشعب الجزائري في 11 ديسبمر 1960 ضد زيارة الرئيس ديغول للجزائر.

         مباشرة إنتشر الفيديو ووصل الى أكثر 12 مليون مشاهدة. وفي 16 ديسمبر 2025، ظهر الرئيس ماكرون يشتكي من هذا الفيديو الكاذب. هذا الفيديو أحدث هزة سياسية حقيقية لماكرون. فكيف لرئيس دولة نووية، يتم اخباره من طرف رئيس افريقي بهذا الفيديو الكاذب والذي وصل بعد ذلك الى اكثر من 20 مليون مشاهدة؟ أين هي المخابرات الداخلية والعسكرية والخارجية، وأين هم السفراء، وأين هي وكالة الأبناء الفرنسية، وأين هو ذبابه من الفرنسيين والأجانب الذين يعملون عنده في فرنسا؟ ومن اية دولة نشر منه هذا الفيديو الكاذب؟

         في البداية، الدولة هي بوركينا فاسو، وناشر الفيديو هو شاب سنه 17 عاماً. ثم هل هذا الفيديو خطير الى هذه الدرجة؟ مع العلم بأن الرئيس ماكرون وحكومته يدفعون المال والحماية لمجموعة من الخونة الجزائريين الذين باعوا ملتهم. هؤلاء الخونة ينشرون أخبار كاذبة ضد الجزائر ليل نهار ومنذ سنوات. بالإضافة الى تنظيمات إرهابية تنشط على ارض فرنسا، تقوم بأعمال عدائية ضد الجزائر حكومةً وشعباً، ومنهم على سبيل المثال حركتي الماك ورشاد الارهابيتين.

         فهذه الفيديوهات الكاذبة والقادمة من فرنسا وبريطانيا والمغرب ضد الجزائر لم تحرك شيء، والسبب هي صلابة الشعب الجزائري  في الداخل وفي الشتات. فمثلا للرد على حركة ماك الارهابية، تظاهر  الجزائريون والجزائريات في فرنسا وتحديداً بجوار الملهى الذي نٌظم فيه الإجتماع… بأعداد كبيرة وهم يرفعون الأعلام الجزائرية ويرددون شعارات مساندة للدولة الجزائرية وضد هذه الحركة الإرهابية.

         إن رد فعل الرئيس ماكرون على فيديو الإنقلاب العسكري، هو اعتراف ضمني بأن الدولة الفرنسية فشلت في تثقيف مواطنيها رقمياً، لدرجة أن فيديو بسيطاً يمكنه أن يهز أركان الإليزي. فالسلطة الفرنسية اليوم تخاف من « الجهل » أكثر مما تخاف من « الذكاء الإصطناعي ».

         وكخبير في الرقمنة، فإن هذا الفيديو، وكل منتوج بالذكاء الإصطناعي، يجب أخذه وتحليله والرد عليه بنفس الوسيلة التي استعملت في ذلك الفيديو. قلت بالنسبة لي هذا الفيديو هو عبارة عن نكتة، او سخرية سياسية. فلو كان الرئيس ماكرون مثقف، لامتنع عن خرجته الإعلامية الفاشلة, وأن يتذّكر على الأقل « بعيد الضحك »  المعروف عند قدماء اليونان،  والذي ذكره المفكر والروائي والفيلسوف الجزائري الكبير ليسيوس أفولاي في روايته المشهورة « الحمار الذهبي أو التحولات »، وهي أول رواية كاملة تصل الينا وعمرها أكثر من عشرين قرناً. ففي الكتاب الثالث لهذه الرواية، يجد البطل أفولاي نفسه ضحية لخدعة متقنة في مدينة « هِيبَاتا » باليونان، حيث يتورط أفولاي في قتل ثلاثة أشخاص ظن أنهم لُصوص. فيساق إلى المحاكمة أمام حاكم المدينة وبحضور كل سكانها. بينما كان هو يرتعد خوفاً من الحكم عليه بالإعدام ويبكي، كان الجمهور المحيط به ينفجر ضحكاً بشكل هستيري. وفي النهاية، يكتشف أن « الجثث » ماهي إلا قِرَبٌ من الجلد منفوخة بالهواء، وأن ما حدث كان مجرد تمثيلية بمناسبة « عيد الضحك »، حيث يكتشف الحقيقة في نهاية اليوم ويشاركهم في الضحك. أما إنقلاب الجيش الإفتراضي ضد ماكرون في نهاية 2025، فالخدعة هنا ليست مكان محصور وليست بعلم الجميع، ولكن هي خدعة رقمية عابرة للحدود, والضحية الرئيس ماكرون وهو لا يضحك في النهاية، بل رد فعله يدل على أنه يعاني من مشاكل نفسية وسياسية ومالية واجتماعية… فرغم صغر سنه، يفتقر للثقافة الرقمية. كما أنه ليست لديه روح الدعابة التي نجدها عند عامة الناس. فالخوف السياسي الذي يطرحه اليوم الرئيس ماكرون ليس نابعاً من قوة التكنولوجيا، بل من « الهشاشة المعرفية للمجتمع الفرنسي ». ويمكن تفسير « الجهل الرقمي » في السياق الفرنسي من خلال عدة زوايا.

1- الفجوة الرقمية : هناك فرقاً شاسعاً بين اسخدام الهاتف الذكي، وبين فهم كيف تصنع الحقيقة الرقمية الكاذبة. فعندما يشاهد المواطن الفرنسي  العادي فيديو، وصوت مطابق للواقع، فإن غريزته البصرية تُصَدِّقُ ما تراه قبل تدخل عقله النقدي. فالرئيس ماكرون يخشى أن المجتمع الفرنسي لم يعد يمتلك « المناعة » اللازمة لتمييز الحقيقة من الزيف. وهذا الخوف عنده، هو دليل على نزول شعبيته.

2- الأمية الرقمية :  الكتلة التصويتة الكبيرة في السن في فرنسا، قد تقع ضحية سهلة لهذه الفيديوهات المزيفة، مثل زوجته بريجيت. وهم من يشكلون الرأي العام، وخوفه، ينبع من أن هذه الفئة التي قد تتخذ مواقف  سياسية أو تشعر بالذعر من مثل هذه الفيديوهات.

3- انهيار الثقة في الوسائط التقليدية : إن الجهل الرقمي، لا يعني عدم معرفة التكنولوجيا، بل يعني أيضاً فقدان البوصلة، عندما لا يعود  المواطن يثق في التلفزيون الرسمي أو الصحف، ويصبح الفيديو المسرب أو المنشور  الغامض على الفايسبوك أو الآكس أو اليوتوب أو التيك توك هو « الحقيقة المَخْفِيَّةُ ». هذا الجهل بآليات التحقق هو ما يحول نكتة أو فيديو إلى أزمة أمن قومي.

4- المفارقة مع الحمار الذهبي : في قصة أفولاي، كان المجتمع اليوناني « واعياً » بوجود يوم الضحك، لذا كانت الخدعة تنتهي بالبهجة. أما اليوم، فالمجتمع يعيش في « يوم ضحك » مستمر ومجهول المصدر، مما يحول السخرية الى رٌعب. فالرئيس ماكرون اليوم يٌدرك أن مجتمعه لم يعد يفرق بين « الافتراضي » و « الواقعي ».

         والدرس الذي يجب علينا نحن في الجزائر أن نستخلصه من هذا الإنقلاب الإفتراضي على الرئيس ماكرون،  هي أن كثرة القوانين تقتل القانون. وهناك مقولة قديمة:  « كلما كانت الدولة أكثر فساداً، كثرت قوانينها »، فمحاولة محاصرة الذكاء الإصطناعي بالقوانين فقط تشبه محاولة حبس الهواء في قفص، فالتقنية دائماً أسرع من المشرّع. لذلك، فإن محو الأمية الرقمية هو  « الردع الحقيقي » والمحصن، لمواجهة مثل هذه الأعمال. فالحل المعرفي التعليمي أمتن من الحل القانوني الردعي.  فالقانون يعاقب بعد وقوع الجريمة، لكن الوعي يمنع تأثيرها من البداية. فإذا كان المواطن يمتلك  «حساً نقديا »، فإنه عندما يرى فيديو مثل الانقلاب الذي وقع في فرنسا على الرئيس ماكرون، سيسأل نفسه :  ماهو المصدر؟  هل تدعم القنوات الرسمية هذا الخبر؟ هل تظهر عيوب تقنية في الفيديو. فعندما يمتلك الشعب هذا الحس وهذه القدرة على التحليل، تفقد الفيديوهات المضللة قيمتها وتتحول فعلياً إلى “نكت”. كما أن تسليح المواطن بالمعرفة في الرياضيات تحميه من تضليل الخوارزميات وتَغَّوُلْ الذكاء الإصطناعي في آن واحد. فتعليم الرياضيات منذ الصغر يعيد إحياء منهج « ديكارت » في الشك : « أنا أشك في ما أراه، إذن أنا مواطن محصن ». هذا النوع من الوعي هو ما يحول المجتمع من « قطيع رقمي » يسهل استفزازه، إلى مجتمع واعي يدرك ألاعيب التكنولوجيا.

         والحل الأمثل لمواجهة الأمية الرقمية هي استعمال فلاتر سقراط الثلاثة : الحقيقة، الخير، الفائدة. فالمفارقة المؤلمة اليوم، هي أن خوارزميات شبكات التواصل الإجتماعي مصممة لتضرب « فلاتر سقراط »، فهي لا تهتم بالحقيقة بل بالتفاعل، ولا تهتم بالخير بل بالاثارة، ولا تهتم بالفائدة بل بالبقاء أطول وقت ممكن على المنصة. فالحل ليس في قوانين ماكرون التي تحاول خنق الفضاء الرقمي، بل في إعادة إحياء « عقل سقراط » داخل كل مستخدم. فعندما يصبح كل مواطن « سٌقراطياً » في تعامله مع الرقمنة، ستتحول أقوى فيديوهات الكاذبة والمزيفة بالذكاء الاصطناعي  إلى مجرد نكة مضحكة أو سخيفة. وبناءً على هذا المنطق السٌقراطي، فنحن نعيش اليوم عصر سفسطائي، حيث يُجَمّلُ الكذّب لِيّرٌدُوه كأنه حقيقة أكثر من أي وقت مضى…

مقالات ذات صلة