-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاتحاد الأوروبي يُقِرّ رسميا أولوية القوة الخشنة!

الاتحاد الأوروبي يُقِرّ رسميا أولوية القوة الخشنة!

أصبح واضحا اليوم أن العالم بعد هذه الحرب الجارية في أوكرانيا سيتحول أكثر نحو العسْكَرة. لن تجدي القوة الاقتصادية نفعا، ولا مجالات التأثير الأخرى، وعلينا الاستعداد إلى ذلك. ينبغي ألا نستبعد بعد اليوم عودة أوروبا إلى أولوية استخدام القوة العسكرية ضد بقية الشعوب الأكثر ضعفا. لقد اعترف الأوروبيون بعد الذي حدث في أوكرانيا ألا معنى للاعتماد المتبادل كوسيلة لتعزيز الأمن، دون قوة عسكرية جبّارة تسنده. لقد أخلطت روسيا حسابات الجميع بما في ذلك الولايات المتحدة. وستضطر الصين إن عاجلا أو آجلا أن تأخذ هذه الوجهة بعد أن أقرها الاتحاد الأوروبي رسميا منذ يومين في قمته الأخيرة ببروكسل.
لم يعد الحديث عن تبني خيار القوة العسكرية كأولوية مسألة نظرية. لقد أصبح جوهر ما سُمِّي بالبوصلة الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي إلى غاية سنة 2030. تقوم هذه البوصلة على مبدأ جديد: أولوية القوة الخشنة على تلك الناعمة.
أوضح ذلك الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية في ورقته الإستراتيجية الصادرة بهذا الشأن من دون لف ولا دوران. وبدا ذلك من خلال عدة عبارات مثل:
ـ العالم تشكله اليوم سياسة القوة العنيفة وكل شيء تَعَسْكَرَ فيه، وعلى أوروبا أن تعود إلى لغة القوة!
ـ أوروبا في حاجة إلى القوة الخشنة وليس فقط للقوة المرنة.
ـ لم يعد الاعتماد المتبادل في المجال الاقتصادي يضمن الأمن، بل بالعكس يمكنه أن يكون أداة تُستخدم ضد الأمن.
ـ على الأوروبيين تعلّم استخدام لغة القوة الخشنة بعد أن استنفدت الأساليبُ الأخرى دورها.
ـ هناك غابة تكبر خارج حديقة ما بعد الحداثة الأوروبية، وعلى دول الاتحاد اعتماد أساسيات عمل تقوم على التفكير والعمل كقوة، وأخذ زمام المبادرة والاستعداد للفعل وإنشاء تحالفات عدة واتخاذ قرارات سريعة.. .الخ.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لنا؟
لا شك أن أي تحول في الإستراتيجيتين العالمية والأوروبية ستكون له انعكاساتٌ على أمننا القومي، وسنضطر إلى القيام بمراجعات عدة في هذا المجال آخذين بعين الاعتبار أن العوامل الاقتصادية والسياسية لن تبقى ذات أولوية في مجال الصراع، بل ستسبقها في السنوات القادمة الأداة العسكرية، مما يجعل بلورة يقظة إستراتيجية ملائمة أمرا بالغ التعقيد وفي الوقت ذاته ذا أهمية قصوى.
لقد بات واضحا اليوم أن أوروبا اكتشفت، متأخرة، أنها لم تَستَبق الأمور، وهي تعالج مشكلاتها الآن من خلال ردود الأفعال. وليس الأمر مختلفا عن الولايات المتحدة التي بَدَت هي الأخرى لأول مرة في تاريخها كقوة عظمى غير قادرة على الفعل العسكري رغم عدم ترددها في اعتماد سياسة الهجوم والتحرش والعدوان طيلة العقود الأخيرة. لقد أصبح هذا من الماضي وأكدته كحقيقة سياسة اعتمادُ العقوبات العسكرية بديلا عن التدخل المباشر؛ فالغرب لم يتردد في اعتماد القوة العسكرية في أوكرانيا لأسباب مبدئية أو أخلاقية إنما خوفا من الهزيمة. إنه يعلم أنه يعرف تراجعا في الجانب الاقتصادي أمام الصين، واليوم عَلِم أنه يَعرف تراجعا عسكريا أمام روسيا. وهذا يُعد انقلابا جيوإستراتيجيا كونيا لم يعد ينفع معه سوى اتخاذ قرار العودة إلى العسْكرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي وقرار مراجعة قوة حلف الناتو بالنسبة للولايات المتحدة.
إن هذا الواقع الجديد، المُخيف، يتطلب مِنَّا كل الحذر؛ فالرجل الأبيض لن يتردد في الانتقام من الجميع إذا ما أحس بأنه سيخسر المعارك القادمة، وعلينا الاستعداد لذلك على كافة الجبهات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!