-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
معادلة صعبة في الإدارة العمومية بين التأخر وخدمة المواطن

الاختناق المروري يطرح تحديات الانضباط الوظيفي

وهيبة. س 
  • 940
  • 0
الاختناق المروري يطرح تحديات الانضباط الوظيفي

تعاني العديد من مصالح الخدمة العمومية من ظاهرة تأخر الموظفين عن الالتحاق بمناصب عملهم، نتيجة الصعوبات المتزايدة في قطاع النقل، وهو ما أصبح يؤثر بشكل مباشر على سير المرافق العامة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ففي ساعات الصباح الأولى، تشهد محطات النقل العمومي اكتظاظا ونقصا ملحوظا في عدد الحافلات ووسائل النقل، خاصة في المناطق النائية وشبه الحضرية، ويضطر الموظفون إلى الانتظار لفترات طويلة، ما يؤدي إلى وصولهم المتأخر إلى أماكن عملهم، رغم التزامهم المهني وحرصهم على أداء واجباتهم الوظيفية في الكثير من الأحيان.

وفي هذا الشأن، أكد عدد من العاملين في الإدارات العمومية، في تصريح لـ”الشروق”، أن مشكل النقل بات عائقا حقيقيا أمام الانتظام في العمل، خصوصا في ظل الازدحام المروري، وقلة وسائل النقل أو قدمها، وعدم احترام الجداول الزمنية، وتزداد المعاناة خلال الظروف الجوية السيئة، حيث تتضاعف مدة التنقل، وتغيب الحلول البديلة، ولا يتعلق الأمر فقط بشكاوى الموظفين، بقدر ما يتعلق بالمواطنين الذين يذهبون إلى بعض المصالح الإدارية من أجل إيجاد خدمات تحل مشاكلهم الصحية أو الاجتماعية أو المالية، ولا يجدون الموظف المكلف بهذه الخدمات الضرورية المطلوبة، التي ترتبط في الغالب بمواعيد محددة.

مختصون: ضرورة تعزيز وسائل النقل العمومي وتحسين توزيع الخطوط

وفي بعض المناطق، رغم أنها قريبة من الجزائر العاصمة، إلا أن طرق النقل المؤدية إليها، تكاد تعرف يوميا، اختناقا مروريا يدوم لساعات، مثلما هي حال بلديتي السحاولة والسويدانية، بحيث اشتكى بعض السكان من تأخر موظفين في بعض إدارات الخدمة العمومية، وقال أحد قاطني بلدية السويدانية، في تصريح لـ”الشروق”، إن هناك تأخرا ملحوظا لموظفين صباحا عن تقديم خدمات للمرضى في إحدى المصالح الطبية العمومية، إذ يذهب عدة مرات للقاء الموظف المعني من أجل تسوية ملف ابنته المريضة، لكنه يتصادف بأنه ليس في مكانه قبل العاشرة صباحا، مع العلم أن هذا المواطن مرتبط بالوقت لأن له عملا في المساء.

زبدي: تصلنا عدة شكاوى عن تأخر الموظفين

وبدوره، قال رئيس المنظمة الوطنية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، الدكتور مصطفى زبدي، إن هذا الوضع، ينعكس سلبا على المواطن، الذي يجد نفسه أمام مصالح إدارية تفتح أبوابها متأخرة أو تعمل بنقص في الطاقم الوظيفي خلال الساعات الأولى من الدوام، ما يؤدي إلى تعطيل مصالحه وزيادة حالة التذمر والاستياء.

وأكد محدثنا أن الخدمة العمومية، من الخدمات الأساسية للمستهلك الجزائري، التي تعتبر مرآة الحوكمة بالنسبة للمؤسسات الحكومية والرسمية، وهي الوجهة، بحسبه، التي يمكن من خلالها أن يحكم المواطن الجزائري على جدية الإدارة من عدمها، فالشكاوى التي تصل بحسب زبدي، المنظمة الوطنية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، كثيرة تحمل معاناة هذا المستهلك من غياب الموظف الذي يقدم له الخدمة، وتوضح مدى تأثير التأخر عن مواقيت العمل صباحا على تعطيل مصالح الغير.

وأردف زبدي قائلا: “للأسف، نرى سلوكيات مسيئة للمهن.. قلة الاهتمام بالزبون، والتماطل في خدمته”. في بعض الأحيان، تفتح وكالات للخدمة العمومية متأخرة أو توقف النشاط قبل وقت، لأن ذهنية بعض الموظفين الإداريين في القطاع العمومي، لا تزال مرتبطة بعقلية “ملك البايلك”، إذ يشعرون بأنهم أحرار دون الاكتراث بتعطيل مصالح المستهلك الجزائري”.

وأكد رئيس المنظمة الوطنية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، الدكتور، أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تنسيقا فعليا بين قطاعات النقل والوظيفة العمومية والجماعات المحلية، من خلال تعزيز وسائل النقل، وتحسين توزيع الخطوط، ومراجعة توقيت العمل بما يتماشى مع واقع التنقل اليومي، كما دعا إلى تشجيع حلول بديلة، كالنقل المهني أو اعتماد المرونة في ساعات الالتحاق بالعمل.

الكاميرات الشاهد عن تأخر خدمة المواطن

وفي السياق ذاته، قال المحامي خليل بن عباس، عضو مجلس منظمة المحاميين بالعاصمة، لـ”الشروق”، إن التأخر في الالتحاق بالعمل داخل الإدارات ذات الخدمة العمومية ليس مسألة تنظيمية فحسب، بل قضية تمس ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، فالوقت في المرفق العام ليس ملكا فرديا، بل هو حق جماعي، واحترامه خطوة أساسية نحو إدارة فعالة ومجتمع أكثر توازنا.

وأكد بن عباس أن التأخر عن العمل يكون في حالات استثنائية، وبعذر يقابله ما يثبت هذا التأخر في حدود القانون، ولو ربطناه بحسبه، بعوامل خارجية عن العمل يصبح الأمر يتعلق بقطاعات أخرى، موضحا أن التأخر عن الالتحاق بوظيفة خدمة المواطن، إذا كان نادرا وارتبط بحالة تعطل وسائل النقل أو حادث عطل الحركة المرورية يمكن ألا يترك أثرا على الوظيفة المسخرة للمواطنين.

وأوضح محدثنا أن التأخر عن العمل صباحا في مؤسسات الخدمة العمومية، له تبعات على شؤون الرعية وأن هناك مواد قانونية صريحة متعلق بالنظام الداخلي للعمل وعلاقة بالعمل أو قانون الوظيف العمومي، لذا يمكن لأي مواطن أن يشتكي للإدارة الخاصة بالموظف الذي لم يخدمه، والكاميرات شاهدة عيان على مثل هذه السلوكيات، التي تضبط بالإجراءات التأديبية قبل العقابية.

ويرى أن التأخر في الالتحاق بالعمل في الإدارات العمومية له انعكاسات تتجاوز المكتب إلى المجتمع، فالالتزام بمواعيد العمل يعتبر حجر الزاوية في أداء الإدارات ذات الخدمة العمومية، لما لها من دور مباشر في تسيير شؤون المواطنين وضمان استمرارية المرافق العامة، لكن ظاهرة التأخر في الالتحاق بالعمل، رغم أنها، بحسب المتحدث، تبدو سلوكا فرديا بسيطا، إلا أنها تحمل في طياتها آثارا عميقة تمتد من داخل الإدارة إلى المجتمع ككل.

وقال ذات المحامي، إن الموظف في الإدارات العمومية يشكّل قدوة في احترام القانون والنظام، وعندما يصبح التأخر أمرا عاديا، تنتشر ثقافة اللامبالاة، ليس فقط بين الموظفين، بل في المجتمع أيضا، إذ ينظر إلى عدم الانضباط بوصفه سلوكا مقبولا، ما ينعكس على قطاعات أخرى من الحياة العامة.

تبعات اقتصادية واجتماعية

ومن جهته، أكد خبير الاقتصاد عبد الرحمان مبتول، أن التأخر المتكرر ينعكس سلبا على جودة الخدمة، حيث يؤدي إلى ضغط العمل في وقت لاحق من اليوم، فتنجز المعاملات على عجل، وتكثر الأخطاء، ويضعف التواصل بين الموظف والمواطن، ومع مرور الوقت، بحسبه، تتحول الخدمة العمومية من فضاء لخدمة الصالح العام إلى تجربة مرهقة للطرفين إضعاف ثقافة الانضباط والمسؤولية.

وقال مبتول، إن للتأخر كلفة اقتصادية غير مباشرة، تتمثل في ضياع ساعات العمل، وتباطؤ إنجاز الملفات، وتأخير المشاريع والخدمات، وكما يسهم هذا السلوك في تعميق الفجوة بين المواطن والإدارة، ويغذي الإحساس بعدم العدالة وغياب المحاسبة.

ويرى مصدرنا، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تضافر الجهود بين الإدارة والموظف، من خلال تفعيل آليات الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحفيز الالتزام والانضباط، إلى جانب تحسين ظروف العمل والنقل، ونشر الوعي بأهمية الوقت في خدمة الصالح العام.

التكنولوجيا لتحسين الخدمة العمومية

ومن جانبه، أكد علي كحلان، استشاري في إستراتيجية وإدارة الرقمية ومتخصص في الذكاء الاصطناعي، أن التكنولوجيا تُسهم بشكل ملموس في تحسين أداء الإدارات العمومية، من خلال أنظمة الحضور البيومترية، ولوحات القيادة، وتتبع مسار الخدمات، ومراقبة آجال إنجاز الملفات، هذه الأدوات، بحسبه، تسمح بتقليص الغيابات، والحد من التأخرات، وقياس الأداء بشكل موضوعي، وتعزيز الشفافية تجاه المواطن.

وأوضح كحلان، أن التكنولوجيا لوحدها لا تحل المشكلة، فيجب أن تكون جزءا من إصلاح شامل يشمل تحديث الإجراءات، وتمكين المسؤولين، وتكوين الموظفين، وتحفيزهم، وقبل ذلك نشر ثقافة مبنية على النتائج وخدمة المواطن، مضيفا أن الهدف ليس “مراقبة الموظفين”، بل بناء إدارة أكثر كفاءة وعدلاً واحترامًا لوقت المواطن.

وعلى العموم، يبقى مشكل تأخر الالتحاق بالعمل بسبب النقل تحديا حقيقيا يستدعي تدخلا عاجلا، حفاظا على انتظام المرفق العمومي وضمانًا لخدمة عمومية فعالة تلبي تطلعات المواطنين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!