الرأي

الاختيار المائل!

سلطان بركاني
  • 820
  • 0

ربّما لو جلس الواحد منّا مع نفسه جلسة تدبّر وتفكّر، في لحظات صفاء وصدق، وتأمّل سعيه في العمل للدّنيا والاستعداد للآخرة، لأدرك أنّ حاله ربّما تكون كحال من بنى منزلين؛ يقيم في أحدهما سنة من عمره، ويقضي في الآخر بقية حياته، لكنّه عمد إلى المنزل الأوّل الذي يقيم فيه سنة واحدة فأنفق عليه الأموال الطّائلة وأحسن تأثيثه بكلّ ما يحتاج إليه، وجعل يزيّنه وينمّقه، بينما أهمل المنزل الثّاني الذي يقيم فيه بقية عمره، ولم يجعل فيه غير شيء يسير ممّا يحتاج إليه.

ربّما نسارع إلى اتّهام من يُقْدم على مثل هذا الاختيار بأنّه أصيب في عقله، لكنّنا لو تأمّلنا أحوالنا بصدق لوجدنا أنّنا –إلا من رحم الله منّا- على هذا الدّرب نسير. ولعلّه يكفي الواحد منّا أن يسأل نفسه: تُرى، ما هو الهمّ الأكبر الذي أحمله في هذه الدّنيا؟ ما الذي يستغرق أوقاتي وساعات أيامي؟ أ هو همّ الدّنيا أم همّ الآخرة؟ هل الهمّ الأكبر الذي أحمله هو أن أنال رضا خالقي وأثقل ميزان حسناتي، أم إنّ همّي الأكبر هو أن أجمع الأموال وألبس وآكل وأشرب؟ ما هي المشاريع التي أفكّر فيها وأسعى لتحقيقها؟ هل يوجد بينها مشروع واحد أنتفع به في قبري؟ هل حدّثتُ نفسي ولو مرّة في حياتي بأن أساهم في بناء بيت من بيوت الله بمبلغ ثابت أقتطعه من راتبي أو من ربح تجارتي؟ هل فكّرتُ في تقديم العون لأسرة فقيرة بقدر يسير من الأموال التي أكسبها كلّ شهر وكلّ سنة؟ هل فكّرت في تخصيص بضع ساعات كلّ أسبوع للمساهمة في بعض الأعمال الصّالحة التي يتعدّى نفعها إلى الآخرين، تكون نورا وأنسا لي في قبري وأجد ثوابها عند الله…

ربّما تكون الإجابة عن هذه الأسئلة محرجة لكثير منّا، خاصّة إذا علمنا أنّ هذه الحال التي رضينا بها نحن الذين نقرأ القرآن ونفهم معانيه، ويقرع أسماعَنا صوتُ الأذان خمس مرّات كلّ يوم، ونسمع الدّروس والخطب في بيوت الله، تقابلها حال عبادٍ لله مسلمين لا يفهمون لغة القرآن إلا قليلا، ومنهم من عاشوا عقودا من أعمارهم لا يعرفون الإسلام، لكنّهم عرفوا حقيقة هذه الدّنيا وأنّها متاع زائل، دار ممرّ وليست دار مستقرّ، وأنّها لا تساوي شيئا بالنّسبة إلى الدّار الآخرة، حيث الحياة الأبديّة والبقاء السرمديّ، عرفوا حقيقة هذه الحياة الدّنيا، فجعلوها مزرعة للآخرة، وجعلوا همّهم الأكبر أن يقدّموا لأنفسهم أعمالا تبيّض وجوههم يوم يلقون الله.

مسلمون في بلاد الغرب حيث الفتن والتّضييق على الحريات الدينيّة، يسطرون من المواقف ما تدمع له العيون ويذكّر بسير السّلف الأوائل لهذه الأمّة. وآخرون في بلاد الإسلام غير العربية يقدّمون أروع النّماذج في التمسّك بالدّين والعمل له، ولعلّ قصّة المرأة الإندونيسية “جمانة” التي عملت عقودا من عمرها منظّفة عند إحدى الأسر الخليجيّة وكابدت الفاقة والمرض، لتجمع من المال ما يمكّنها من بناء بيت من بيوت الله، لعلّ هذه القصّة المؤثّرة التي تتناقلها المواقع، هي واحدة من آلاف ومئات الآلاف من المواقف التي يشعر معها المسلم الذي عاش عقودا متوالية من عمره على هامش الحياة، لا همّ له إلا أن يأكل ما لذّ وطاب، ويلبس ما يسرّ النّاظرين، ويركب أفخر المراكب ويسكن أوسع المساكن، يشعر من هذه حاله بالهوان أمام مواقف أولئك المسلمين الذين أرادوا الآخرة وسعوا لها سعيها.

فإلى متى ونحن نعيش على هامش الحياة؟ أهدافنا جلّها دنيوية، ومشاريعنا ومشاغلنا كذلك، وكأنّنا سنخلد في هذه الدّنيا! كأنّنا لن نموت.. أهداف الغالبية منّا لا تتعدّى بناء منزل أوسع من منزل فلان، وشراء سيارة أفضل من سيارة فلان. زيادة المداخيل وتوسيع التجارة… أمّا أهداف بعض النّساء فقد تدنّت إلى مستويات مؤسفة؛ هدف إحداهنّ الأكبر هو أن تحضّر نفسها لعرس قريبتها، بشراء أغلى الحليّ والألبسة، لتبدو أجمل الحاضرات. همّ الواحدة منهنّ هو أن تلبس أفضل من قريبتها، وتبدو أجمل من جارتها.. همّها أن تجلس أمام التلفاز لتتابع المسلسل وتجلس بين النّساء وتفخر وتتباهى.. الأوقات كلّها للمظاهر والمفاخر والمراءاة والمماراة حول المتع الفانية، أمّا الأعمال الصّالحة، فليس لها إلا فضول الأوقات!

نردّد بألسنتنا “الله أكبر” مرّات كلّ يوم، لكنّ أفعالنا –إلا من رحم الله- تدلّ على أنّ الدّنيا هي الأكبر بين اهتماماتنا.. نتحدّث عن الموت ونقرّ بأنّه مصيرنا جميعا وأنّه لا أحد منّا سيأخذ معه شيئا من متاع هذه الدّنيا، ثمّ نتنافس ونتخاصم ونتعادى لأجل الأموال والأراضي.. جميعنا نردّد القول بأنّ هذه الدنيا فانية، لكنّنا –إلا من رحم الله- نطيع أنفسنا عندما تأمرنا بالبخل والشحّ والإمساك، ونطيع الشّيطان الذي يخوّفنا الفقر كلّما دعينا لبذل الصّدقات.

علينا أن نراجع حساباتنا ونعيد النّظر في وجهتنا، الله جلّ وعلا يقول: ((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَة))، فما الذي نريده نحن؟ هل نريد الدّنيا أم نريد الآخرة؟ طريق الآخرة واضح؛ توبة وإخلاص وطاعات وصدقات، وطريق الدّنيا أيضا واضح؛ غفلة ومعاصٍ وكسل ونوم وشحّ.

إنّ عمر هذه الدّنيا قصير، ومتاعها حقير؛ غدارة غرارة؛ لا يدري العبد متى يرحل عنها إلى دار لا ينفع فيها إلا العمل الصّالح، ولا يجد فيها غير ما قدّم في هذه الدّار.. ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور)).. كم من إخوان لنا، كانوا يعيشون بيننا، يؤمّلون من الدّنيا ما نؤمّل، وشغلتهم أنفسهم عن الله والدّار الآخرة كما شغلتنا أنفسنا، هم الآن في قبورهم يعضّون أصابع النّدم على أوقات أضاعوها في القيل والقال وبخلوا بها عن طاعة الله الكبير المتعال، ويتحسّرون على أموال أنفقوها على الكماليات والملهيات وبخلوا بها عن الصّدقات.. فحريّ بنا أن نعتبر بالراحلين عن هذه الدّنيا قبل أن تدنو ساعة الرّحيل فيقول الواحد منّا: ((يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرّطْتُ فِي جَنْبِ الله)).

مقالات ذات صلة