الرأي

الاستبداد الأكبر والاستبداد الأصغر؟

محمد سليم قلالة
  • 1167
  • 5
أرشيف

تُبيِّن مؤشراتٌ عدّة اليوم أن هناك تلاعبا بمعنويات الجزائريين بطريقة أو بأخرى في محاولة لزعزعة الجبهة النفسية التي مازالت صامدة ومُتماسكة رغم كل المحاولات. إن الأمر يتعلق برسائل سياسية وأخرى قانونية وثالثة اقتصادية واجتماعية، تدلّ جميعها أن هناك مصدرا واحدا يهدف إلى تهيئة الأرضية لإحداث إرباك في الساحة الوطنية من أجل الدفع بالجزائريين إلى الدخول في صراعات بَيْنية كالتي حدثت في أكثر من بلد عربي، أُريدَ له أن يتحول بصيغة أو بأخرى إلى نمط جديد من الدول تسعى قِوى خفيّة وظاهرة إلى تشكيلها بلا دين ولا قيم ولا حضارة.

والمدخل التقليدي لتحقيق هذا الهدف، كما تَكرَّرَ في كافة البلاد العربية، وهو حق أريد به باطل، يتمثل في طرح ما يُعرَف بالبديل التغريبي كمنهج للحياة، بَديلٍ للخصائص الحضارية للشعوب الافريقية والآسيوية أو ما يُعرف ببقية العالم (غير الغربي). أما  المقاربة فتتم من خلال الزعم بمحاربة أدوات الاستبداد والاستغلال والنَّهب المحلية، التي تخفي بوضوح محاولة إنقاذ أصل الاستبداد نفسه، من الثورات الشعبية التي أصبحت تريد القضاء عليه.

وهكذا، تجري اليوم أمام أعيننا، عملية استبدال الاستبداد غير المباشر بالاستبداد المباشر، الذي لن يكتفي بنهب الثروات والأموال، بل سيُحطِّم القيم والأخلاق والشخصية ويقضي على مقومات الأمة؛ ففي الوقت الذي تكون الشعوب ثائرة لاستعادة سيادتها على أرضها وثرواتها، يتم التلاعب بمقومات شخصيتها وركائزها الوطنيه، لتقع في الاستبداد الأكبر وهي تسعى لمكافحة الاستبداد الأصغر… ما الفائدة من حكم على الطريقة الغربية، بلا شخصية وطنية أو رِفعة لمكانة الدين واللغة والقيم للشعب الجزائري مثلا؟

لذلك، فإننا اليوم بالفعل كجزائريين أمام وضع مُعقَّد ويزداد تعقيدا باستمرار، كلما خطونا خطوة إلى الأمام، أعادنا أنصار الاستبداد الأكبر خطوتين إلى الوراء من خلال حلقة مدروسة من حلقات التلاعب بالعقول والمعنويات، والتلاعب بالتوازن النفسي والاجتماعي لكل فردٍ مِنا، ومن خلال ممارسات سياسية بريئة في ظاهرها، مُلَغَّمة في باطنها.

علينا أن نُدرك أن هناك علاقة بين تصريحات البعض المتعلقة بمسائل كالهوية والمواطنة والدستور وتلك الحقائق المرتبطة بالضغط على قُوتِنَا وقدرتنا الشرائية، والتضييق على مجالات العمل لدى شبابنا وتشويه حقيقة مطالبه المشروعة… وأن الهدف هو مَنعنا من تحقيق تلك الوحدة المنشودة إنْ على مستوى الأفراد أو الهيئات أو نوعية  الخطاب أو القرارات، التي تُمكِّننا في ذات الوقت من التخلص من الاستبدادين معا الأصغر والأكبر…

وهو ما ينبغي استباقه بأكثر من وسيلة: بالتمسك بمختلف مكونات الذات الوطنية الأصيلة أولا، وبإدراك طبيعة الغاية من التحولات الحاصلة بالمنطقة والاستفادة من  مصير التجارب التي قبلنا ثانيا، وبالتمييز بين مصدر الاستبداد وأدواته المحلية من خلال معرفة علاقة الداخل بالخارج والتمييز بين الأساسي والثانوي ثالثا… وذلك على كافة الجبهات وفي كافة المستويات… لعلنا بهذا نُعزِّز من تماسك جبهتنا الداخلية، ونَرفع من معنوياتنا في مواجهة ما ينتظرنا من صِعاب، ونَمنع من استغلال تطلعنا نحو المستقبل استغلالا غير بريء مُبَطِّن بأكثر العبارات جمالا ودغدغة لعواطف التطلع نحو حال أفضل مما نحن عليه.

مقالات ذات صلة