الاستقالة لا تكفي
لا نفهم لماذا قامت الدنيا ولم تقعد بكاء وعويلا على حالة أرضية من مئة متر بملعب الخامس من جويلية، بعد أن اتضح أنها ابتلعت مئتين وأربع مئة مليار دون أن تصلح، كما هو الشأن في ملاعب الدول الثرية والمعدمة، ولا نفهم لماذا قام وزير الشباب والرياضة السيد محمد تهمي، بإقالة مدير المركب الأولمبي على خلفية المهزلة التي تابعها الملايين في العالم عبر مباراة كرة لا تمثل في الحقيقة أكثر من قطرة في بحر شؤون الجزائريين.
وتكمن الدهشة في كون الجزائر وفي مجالات عديدة وربما في كل المجالات تعيش الإهمال ونهب المال العام، من دون أن يتنهد أحد ولا نقول يُقيم الدنيا ولا يُقعدها كما حدث في ملعب تحوّل إلى مرعى، وهو بالتأكيد أقل سوءا من آلاف الهكتارات التي أكلتها النار بفعل فاعل، والحقول التي تحوّلت إلى قصور وأكوام إسمنت بفعل فاعل، والطرق التي عُبّدت عشرات المرات والأرصفة التي بُلّطت عشرات المرات وهي الآن تقتل الناس، ناهيك عن الآلاف من المشاريع التي تحوّلت إلى خراب دون أن يبكي عليها باك، ولو عبر “الفايس بوك” وذاك أضعف الإيمان، وإذا كانت الدول المتقدمة قد تجاوزت مرحلة الاستقالة أو الإقالة نحو المحاسبة، فإن دولا نامية أخرى باشرت الخطوة الأولى نحو توقيف النزيف المالي والأخلاقي، من خلال اتباع سياسة الانسحاب في كل هفوة يكون الشاهد عليها المواطنين، كما حدث في مصر في أعقاب الحادث الأليم الذي وقع في أسيوط وأودى بحياة خمسين تلميذا، حيث قرّر وزير النقل محمد رشاد المتيني، رغم أنه لم يحمل الحقيبة إلا منذ بضعة أسابيع أن يقدّم استقالته تضامنا مع مسؤوليته السياسية كوزير للنقل كما قال، كما استقال رئيس هيئة السكك الحديدية، وقد يصبحا شاهدين وربما متهمين أمام القضاء، بينما انتظر مدير المركب الجزائري بعد أن حوّل مباراة رياضية إلى مشهد ضاحك إقالته من وزير، واضح أنه لم يعالج فيها المشكل من جذوره بحجة أنه جديد على رأس الوزارة.
صحيح أن ما حدث خلال مباراة الكرة بين الجزائر والبوسنة مهزلة كبيرة، لكن الصحيح أن الأرضية الصغيرة للملعب التي صارت الشغل الشاغل للدولة والشعب الجزائري إنما هي مخصّصة للعب، عكس آلاف الهكتارات والمساحات الشاسعة التي كانت مخصصة للجد ولقمة العيش والكرامة وكانت تورّد القمح والحمضيات والزيتون والتمور، وتبور الآن بأموال الجزائريين دون أن يقوم وزير فلاحة، أو غيره من مسؤولين بالإقالة أو الاستقالة ولا نقول محاسبة الذين حّولوا الحقول إلى صحراء، وليس ملعب صغير إلى حقل بطاطا في زمن بلغت فيه المادة الغذائية الأولى في الجزائر سعر 80 دج.
لو انشغل الجزائريون بكل أطيافهم وفي محيطهم الصغير بكل المهازل التي حرقت مالهم وآمالهم كما انشغلوا بملعب الخامس من جويلية، ما وصلت الجزائر إلى هذا الحد الذي جعل دولا صحراوية فقيرة تُنكّت على ملعب ارتبط اسمه باستقلالنا، ولما جعل أزيد عن مئة وثمانين ألف مترشح يجرؤون ويدخلون الانتخابات المحلية دون خوف من السوط الحقيقي للمواطن، وهو إجبارهم على الاستقالة أو الإقالة أو متابعتهم قانونيا، لأننا للأسف أينما ولينا وجوهنا فثمة ما يشبه حقل الخامس من جويلية.