الاسكافي.. مهنة أنقذتها الأحذية الصينية من الاندثار
“لولا الأحذية الصينية لاندثرت حرفة الإسكافي في الجزائر” هي عبارة رددها الكثير من ممتهني هذه الحرفة الذين عادوا إلى الواجهة في الشوارع والأزقة والساحات العمومية، ومنهم من فتح محلات حوّلها إلى ورشات لتشغيل الشباب الذين وجدوا في حرفة المسامير والمطرقة طريقا للتخلص من الفراغ والبطالة.
“الشروق” توغلت في عالم مرقعي الأحذية الذين اشتكوا من ظروف مهنية مزرية في ظل انعدام جمعية أو نقابة تدافع عنهم، خاصة وأن 90 بالمائة من عشاق هذه الحرفة ينشطون في العراء ويعانون من ويلات البرد في الشتاء والحّر في الصيف، بالإضافة إلى كثرة تعرضهم لحوادث عمل في ظل عدم استفادتهم من الحماية الاجتماعية.
بعدما كانت مهنة الإسكافي حكرا على المسنين والفقراء لعقود في الجزائر، انتقلت مؤخرا إلى الشبان الذين وجدوا في هذه الحرفة مكسبا ماديا محترما يغنيهم عن البطالة والفراغ، وما يؤكد ذلك هو هيمنة الشباب على أغلب طاولات تصليح الأحذية المنتشرة على الطريق الرابط بين ساحة أول ماي وباب الواد مرورا بالبريد المركزي وساحة الشهداء بالإضافة إلى أماكن متفرقة من العاصمة.
ولدى حديثنا مع هؤلاء الشبان أكدوا أن الأحذية الصينية “سريعة التلف” هي من أنعشت مهنة “الكوردوني” وأعادتها إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بالنسبة لتلاميذ المدارس والفتيات الذين يعتبرون من أكثر الزبائن، وليس غريبا أن يتجاوز الدخل اليومي للإسكافي 2000 دج بعدما كان في السابق لا يتجاوز عشرات الدنانير بسبب الإقبال الكبير الذي دفع بعض الزبائن إلى الانتظار أكثر من أسبوع لاستعادة أحذيتهم، وهذا ما أكده الشاب جمال، 27 سنة، الذي ورث هذه الحرفة عن أبيه وأسس لنفسه دكانا صغيرا بضواحي بلدية باب الوادي وجدناه مكدسا بالأحذية القديمة وحتى الجديدة، حيث يعمل على إعادة تركيب الأحذية وبيعها وهذا ما ساهم في ارتفاع أرباحه، حيث يتخلى بعض الزبائن عن أحذيتهم بسبب كثرة ترقيعها وهذا ما يدفع جمال الى إعادة “رسكلتها” من جديد بطريقته الخاصة وبيعها بأسعار تتراوح بين 600 دج و900 دج.
وأضاف المتحدث أن أسعار ترقيع الأحذية تتراوح بين 50 دج الى 600 دج حسب العيب الموجود في الحذاء فإذا اقتصر على بعض المسامير والغراء فإن السعر يقدر بـ 50 دج وإذا تعدى ذلك إلى الخياطة فإن السعر يرتفع مابين 150 دج و300 دج حسب حجم ونوعية الحذاء، وإذا تطلب الترقيع تغييرا كليا لفراش الحذاء وقاعدته فإن السعر يترواح بين 400 دج و600 دج، وأكد الاسكافي أنه يُصلح في اليوم رفقة صديقه مابين 10 و 20 حذاءً من مختلف الأشكال والأنواع أكثرها تتعلق بأحذية الأطفال والفتيات خاصة الجامعيات بسبب الاعتناء الكبير بمظهرهن وشكل الحذاء الذي يتغير حسب لون الفستان أو حقيبة اليد.
الأحذية الجزائرية أفضل من الأوروبية
من بلدية باب الوادي انتقلنا إلى ساحة الشهداء حيث وجدنا الشاب مصطفى،27 سنة، منهمكا في العمل على طاولته الصغيرة التي وضعها تحت شجرة تحميه من حرارة الشمس.
حديثنا إليه في البداية كان صعبا بسبب انشغاله بالعمل وعدم تعوّده على الدردشة مع الصحفيين، سألناه عن نوعية الحذاء الذي كان يرقعه فأكد أنه حذاء مزيف، يحمل العلم الإيطالي ومكتوب عليه باللغة الفرنسية “صُنع في ايطاليا” غير أن الحذاء صُنع في الصين من جلود رديئة ويسوَّق في المحلات بـ4500 دج وهو سريع التلف.
أرباحهم تنتعش بعد أن كانت لا تتجاوز عشرات الدنانير يومياً
وكشف محدثنا أنه يتلقى يوميا أحذية مكتوباً عليها أنها صنعت في مختلف الدول الأوروبية على غرار ايطاليا وتركيا وفرنسا وحتى ألمانيا غير أنها أحذية مغشوشة مصنوعة بجلود صناعية وليست طبيعية وهي تتسبب في انبعاث رائحة كريهة مما جعل معظم أصحابها يقصدون الإسكافي لعدة مرات في الشهر بهدف تغيير أفرشة هذه الأحذية وترقيعها وتلميعها، وكشف أن الأحذية المصنوعة في الجزائر أقوى وأمتن 10 مرات من الكثير من الأحذية المستوردة في أوروبا غير أن الجزائريين مهووسون بشراء كل ما يحمل الألوان الأوروبية وبأسعار خيالية تصل أحيانا إلى مليون ونصف مليون سنتيم وهذا ما جعل الكثير من المستوردين يعمدون الى تضليل الزبائن باستيراد أحذية أوروبية من النوعية الرديئة وتسويقها بأغلى الأثمان.
أسرارٌ وأخطار
انتقلنا بعدها إلى بلدية بئر خادم وبالضبط أمام الحديقة المركزية في قلب المدينة حيث ينتشر المسنون وتجار الأحذية والألبسة ،التقينا بالشاب كريم، 33 سنة، الذي وضع طاولة لترقيع الأحذية منذ سنوات بعدما كثر إقبال الزبائن على هذه الحرفة، وجدنا عنده حقيبة كبيرة فيها عدد كبير من الأحذية وأكد أن أغلبها أحذية صينية يأتي بها أصحابُها بشكل مستمر بسبب تلفها السريع.
والغريب في الأمر أن المتحدث كشف لنا حقائقَ خطيرة تتعلق بطبيعة صنع هذه الأحذية خاصة بما يتعلق بأحذية النساء والأطفال والتي تحتوي على مادة لاصقة تتحلل عند التعرق وملامستها للماء، مما يجعل هذه الأحذية تتمزق بسرعة ويتطلب إصلاحها استعمال غراء جديد من النوعية الرفيعة، ومن هذه الأحذية ما هو مصنوع من مخلفات البلاستيك الذي تعاد رسكلته، ما يتسبب في رائحة كريهة وإصابة الجلد بحساسية واحمرار حسب شهادة الكثير من منتعلي هذه الأحذية الذين يأتون بها للإسكافي من أجل إعادة تغليفها من الداخل بجلد طبيعي يحمي القدمين من البلاستيك، وسعر هذه العملية يقدر بين 400دج و800 دج.
وأكد المتحدث أنه اكتشف أمرا غريبا في الكثير من الأحذية الصينية التي تصنع من قاعدة سهلة التمدد مما يجعل حجمها يزيد عن رجل منتعليها وهذا ما يجعل هذه الأحذية صالحة لمدة محدودة، وأكد الشاب كريم أن 90 بالمائة من الأحذية التي يصلحها مصدرها الصين وهذا بسبب أسعارها التنافسية التي تستقطب البسطاء والفقراء.
“نحلم بمحلات نمارس فيها حرفتنا”
أكد أغلب الإسكافيين الذين تحدثنا إليهم والذين وجدناهم يمارسون حرفتهم في العراء على طاولات خشبية قديمة، أنهم يتمنون أن تلتفت إليهم السلطات وتساعدهم على الاستفادة من محلات تأويهم وتساعدهم على ممارسة مهنتهم بكرامة وأمان، فالعديد منهم يتوقفون عن العمل عند نزول الأمطار، كما أنهم يعانون من الجو الحار في الصيف وهم معرضون إلى السرقة والاعتداء من طرف المنحرفين.
وفي هذا الإطار أكد لنا أحد الإسكافيين الذين ينشطون في العراء إلى جنب السوق الكبير في بئر خادم أنه قدّم ملفات الحصول على محل يمارس فيه مهنته وهو مستعدّ لدفع مستحقات الإيجار والضرائب، غير أن السلطات لا تعطي أهمية لهذه المهنة التي ترى فيها مهنة ثانوية.
وأضاف الشاب علي منجلي من بلدية محمد بلوزداد أنه قدم ملفا للاستفادة من محلات الرئيس لممارسة مهنته غير أن السلطات لم تأخذ طلبه بعين الاعتبار وأضاف أنه يمارس نشاطه في العراء للهروب من البطالة والفراغ.
الإسكافيون عجزوا عن تأسيس نقابة
أكد الناطق باسم الإتحاد الوطني للحرفيين والتجار الجزائريين الحاج الطاهر بلنوار أن الإسكافيين حاولوا تأسيس تنظيم خاص بهم لأسباب تنظيمية، غير أنهم ينضوون تحت إتحاد الحرفيين، وقال المتحدث أن ولاية سطيف هي الولاية الوحيدة التي اتحد فيها الإسكافيون ونصبوا ممثلا لهم للدفاع عن حقوقهم في التأمين والحصول على محلات بالإضافة إلى ترقية هذه الحرفة باعتماد شهادات وتكوين خاص، وعبر أغلب الإسكافيين الذين تحدثنا إليهم في العاصمة أنهم مستعدون للانظمام لأي تنظيم يجمعهم لحماية هذه الحرفة من الاندثار والدفاع عن حقوقهم.