-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاشتباك في ساحة الدين

صالح عوض
  • 2886
  • 0
الاشتباك في ساحة الدين

هذه ساحة حسّاسة ودقيقة وهي من الساحات التي عمل العدو على اختراقها والاستثمار في الاختلاف المُثار داخلها، لأن نتيجة التصادم فيها مذهلة بالنسبة له.

لقد كنا دوما نعتبر ان التجانس الديني بين العرب كفيل بأن يحقق لهم احد اهم شروط التوحد، حيث ان غالبيتهم العظمى تدين بالإسلام، وهؤلاء تلقائيا يحترمون من يدين بالمسيحية وفي دينهم تقديس موسى وعيسى والأنبياء من العقيدة والخُلق.. وقدّمت الأمة نموذجا تاريخيا استمر لقرون طويلة شاهدة على التوادِّ والتعايش الكريم بين المسلمين وغيرهم في عجلة حياة الأمة.. ولعل كثيراً من هذا لايزال بارزا في بلاد الشام لاسيما سورية وفلسطين.. ولولا الحماقة التي ارتكبها قسمٌ من اليهود فانساقوا وراء خدعة الفرنجة الخصوم التاريخيين للأمة لكان بالإمكان تواصل حياتهم الآمنة الكريمة داخل الأمة كما سبق لهم عديدا من القرون. 

كنا نعتبر ان الدين هو حصنُنا الأخير الذي يحمينا من الانهيار، فهو احد مكونات هويتنا الحضارية الأساسية وهو حبلنا المتين نحو الترابط في دائرتنا الإسلامية مع شعوب اخرى انجبلت علاقتنا بها بدم وتداخل فأصبحنا وإياها الكتلة الحضارية الكبيرة التي ملأت التاريخ دويا لبضع عشرة قرناً.

بعد جهود فكرية وبحثية عديدة توصل الغرب الاستعماري إلى تهديم حصوننا واحدا تلو الآخر ووضع من الخطط والبرامج ما يكفي لذلك تماما؛ فلقد بدأ على عدة جبهات كان للتغريب سبقُ التقدم محمولا مع الحملة الفرنسية على المشرق العربي ومتابِعا خطواته بعد استعمار شمال افريقيا، لكنه مع كل ما انجزه في هذا الباب لم يحقق الصراع المنشود داخل مجتمعاتنا، حيث بقي الاسلام متكتلا في جبهة واحدة ينهزم امامها اي تيار وأيّ فكرة.. من هنا بدأوا بمشروع آخر خطير وهو صناعة دين جديد يلقون به في اوساط المسلمين فكان ان صنعوا البهائية الأحمدية في مختبراتهم ببريطانيا وروجوا لها وزودوا اتباعها بإمكانات مذهلة واوصلوهم إلى مقاليد الأمور في كثير من الأماكن، ومن خلال وسائل اعلام متقدمة واجهزة مخابرات نشطة تم دسهم في المجتمعات الاسلامية وليس غريبا ان نجد مقرا رئيسيا لهم في مدينة حيفا، حيث الاحتلال الصهيوني.

ولكن بعد زمن ليس بطويل اكتشف الخبراء الغربيون ان العملية ستظل محدودة وسيحاصَر هذا التيار الجديد، لأنه مشبوه اصلا بعلاقاته، ولأنه يطرح من القضايا ما يتنافى مع معلوم الدين.. فاتجهوا إلى الإبقاء على المقولة الدينية الاسلامية ولكنهم حرّفوا اتجاهها او انهم استغلوا بعض الحالات الاسلامية النشاز وأركبوا عليها مهمات سياسية.. فراحوا يعلنون التحالف مع الاسلاميين ضد الشيوعية واسهموا بشكل كبير في تنامي تيار إسلامي مقاتل مزوَّد بمقولات شرعية مختصَرة متشدِّدة مدفوع للقتال في افغانستان، حيث استطاع هذا التيار ومن خلال رعاية امريكية ان يهزم الاتحاد السوفيتي ويتسبب بتفكيكه.. وبعد ذلك كان لابدّ من التقدم لتفكيك الوطن العربي والعالم الاسلامي ونقل المقاتلين الاسلاميين من ساحةٍ انتهت وظيفتهم بها إلى أماكن اخرى وبتلوينات جديدة.

فكان العراق وكانت سورية وليبيا ومصر ساحتها البارزة.. هنا بدأت المعركة على ارضية الاسلام، حيث التنوع المذهبي بين المسلمين شيعة وسنة وإمامية وإباظية وسلفية بمدارسها المختلفة وأشاعرة وصوفية، فكانت التربة التي يمكن ان يغرس فيه الغربيون مشروعهم الجهنمي.

بدأ تحريك مكوّنات الأمة وافتعال المشكلات بينها وكان تحطيم دولة العراق هي الخطوة الأكثر اهمية في المشروع الغربي المعاصر وهي نقطة البداية في تنفيذه.. فلقد أسقط الأمريكان دولة العراق بكيفية معيّنة توحي تماما ان المسلمين العراقيين الشيعة كانوا مع الاحتلال لاسيما ومرجعيتهم العليا لم تتصدَّ للاحتلال على احسن احتمال.. وأراد الغربيون الأمريكان ان يدفعوا بالسنة إلى المعركة من زاوية اخرى تماما فجعلوهم يدفعون ثمن حكم صدام حسين الذي أعدِمَ في محكمة صورية كان الحاكم فيها المالكي وجوقة من المحسوبين على الشيعة والقاضي كردي متحامل ينفذ أمر المحتل الأمريكي.. 

كان هذه بمثابة صب الزيت على النار في تأجيج المشاعر الطائفية التي تنامت فيما بعد مكرَّسة في تطرُّف في اتباع المذهبين وجد له حواضن حقيقية، فنشأت المليشيات والجماعات وانبعث الحقدُ الطائفي محموما بمعارك وحروب وتفجيرات لازالت تقضّ مضجع العراق والكل يسير بإيحاء او توجيه او مشاركة مع الأمريكان.

واصبح للطائفية المقاتلة المستنفرة جيوش من الاعلاميين والسياسيين والمثقفين وجيوش من المليشيات والمقاتلين، وكانت هذه اقسى الضربات التي وجهها الغربيون للدين الاسلامي ومهمته في توحيد الأمة ودوره الحضاري الباعث للقيم الحافظة للنسيج الاجتماعي.

في هذه الساحة غاب العقل وانتشر العنف وتسيّد الجهل وظهر للعيان دينٌ غير الدين الحقيقي، وهو اعظم المخاطر التي يتعرّض لها كيان الأمة ومستقبلها.

لقد أغرانا الغربيون في مطلع القرن الفائت بالعروبة كرابط لنا ضد الرابط الديني فانتفضت منظماتنا وجماعاتنا متحالفة مع الانجليز والفرنسيين ضد الدولة العثمانية ظنا منا اننا سنحقق الدولة العربية الكبرى، وبعد ان سقطت العثمانية كرابط للأمة كرّس الغرب الاستعماري بيننا خطة سايكس بيكو.. اما الآن فيتحرك الغرب الاستعماري مستخدما المقولة الدينية ضد الرابطة العربية او الوطنية لتفتيت العرب وتفتيت البلد الواحد إلى اتباع مذاهب وطوائف.. وبلا مواربة علا الصوت الامريكي بضرورة دعم الإقليم السني وتزويده بالسلاح في العراق كما أنهم يتمترسون مع القيادة الشيعية في البلد ويغطون جيشها بطيرانهم في حرب ضد الآخرين وهذا بعد ان رسموا عمليا الإقليم الكردي.

وانتشرت الفتنة العمياء بعد العراق في بلاد الشام  لتحصد مئات الآلاف من الأرواح ضحايا وتدمِّر البلدان وتجعل من “الإسلام” أخطر الأسلحة الفتاكة ضد الأمة.. وهنا تظهر من جديد المسألة على اكثر من وجه.. فهي مستخدمة من قبل الغربيين لمصالح استراتيجية ومن قبل بعض الحكومات في المنطقة لأغراض سياسية ومن قبل المجموعات والجماعات المتنطِّعة لفرض رؤيتها وفكرها بالسلاح.

الاشتباك في هذه الساحة هو الأعنف وهو الأخطر وهو الأسوأ.. لأنه وصل الحصن الحصين للأمة والذي بالفتنة على أسواره نصبح جميعا عرضة للتيه والفتنة الحمقاء.. والمؤسف ان قوى الرأي والرشاد في الأمة انسحبت تاركة المجال لكل المشعوذين الجهلة المتطرفين ولأصحاب المصالح السياسية الفاسدة وكأن لا قبل لأحد بمواجهة التحدي الذي وصلت نيرانه إلى داخل بيوتنا..

لقد تم استحضار مقولات السلفية والصوفية والإباضية والإمامية والزيدية والمعتزلة من عصور الانحطاط والمِلل والنحل وتُرك الاسلام النبوي الموحِّد للأمة واصبح مشايخ المذاهب والطوائف يحظون بقداسة لم ينلها محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. واصبح التقيد بأوامر الطائفة ومشاريعها أهم وأولى من التقيُّد بأوامر الله وتوجيهات الرسول.

ان الإدارة الأمريكية لم تتردَّد في الإعلان عن تشجيعها لمجموعاتٍ دينية معيّنة وعن تزويدها لها بالمال والسلاح وفرضها على مسرح الأحداث.. ولكن لا لوم على الإدارات الأمريكية ففي فعلها هذا ضمانة لاستمرار تسيُّدها على المنطقة ونهبها لخيراتها، ولكن هنا يكبر السؤال: أين هو الأزهر الشريف؟ اين هي الزيتونة؟ اين هي جامع القرويين؟ اين هم علماء الهند وباكستان؟ اين هم علماء الشام؟ اين هم علماء الأمة ومؤسساتها ازاء هذه الكارثة التي تحلق الدين كما اشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

كان العراق وكانت سورية وليبيا ومصر ساحتها البارزة.. هنا بدأت المعركة على أرضية الاسلام، حيث التنوع المذهبي بين المسلمين شيعة وسنة وامامية واباضية وسلفية بمدارسها المختلفة واشاعرة وصوفية، فكانت التربة التي يمكن ان يغرس فيه الغربيون مشروعهم الجهنمي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!