-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الاصلاحات التي نريد

بشير مصيطفى
  • 4473
  • 16
الاصلاحات التي نريد

تدحرجت كرة الثلج في صحراء العرب -مثلما توقعنا- حتى لامست الجزائر عندما أعلن رئيس الجمهورية -بمناسبة ذكرى عيد النصر 19 مارس- عن إصلاحات جذرية ستطال قطاعات عدة في البلاد.

  • وتساءل المتتبعون للشأن الجزائري عن فحوى تلك الاصلاحات وانقسموا الى فريقين: الأول توقع أن تكون مجرد تلميع لصورة نظام قائم من خلال اجراءات اقتصادية واجتماعية كالتي اتخذت لحد الساعة، وبالتالي لا ترقى الى مستوى الاصلاحات الثورية التي شهدتها كل من تونس ومصر وتشهد تباشيرها كل من اليمن وليبيا وسوريا. وفريق يتوقع تغييرا حقيقيا في فحوى الدستور والسياسات والمؤسسات ولكن بمعالجة تختلف عن الصدمة وتميل الى التدرج.
  •  وسرعان ما تلقفت جهات سياسية رسالة الرئيس الأخيرة فإذا بها تنتفض على قناعات سابقة ما انفكت تلوح بها مثل التعديل الجزئي الذي مس الدستور مؤخرا، وربما تستمر تلك الجهات في مزيد من الثورة على قناعاتها الفكرية والايديولوجية كلما أبرق النظام السياسي الفعلي في الجزائر برسائل أخرى في اتجاه التغيير الملموس. فماذا يعني أن تغير الطبقة السياسية من قناعاتها؟ وهل صارت قناعاتها الجديدة تعبيرا عن آمال الطبقة الصامتة؟ وما هي الاصلاحات الجذرية المطلوبة والتي تشكل ساحة إجماع قوي على قناعات أخرى لا رجوع عنها.
  • عثرات الطبقة السياسية
  • فهمت الطبقة السياسة أداءها على مسارين اثنين: الأول، الدعم غير المشروط لجميع مخرجات النظام الفعلي من إصلاحات وسياسات وبرامج وأفكار وقرارات تدعمها في ذلك وسائل صناعة الرأي العام الثقيلة وتعبر عنها المجالس المنتخبة التي وجدت نفسها أمام حتمية المصادقة على جل ما تقترحه الحكومة من قوانين وتدابير. والثاني، الرفض الشامل والكامل لكل ما يصدر عن ذلك النظام من خطابات وخطوات على الأرض حتى وصفت بالمعارضة الراديكالية وحرمت أدوات الترويج لمواقفها من تنظيمات سياسية أو جمعوية. وبين المسارين وقفت طبقة عريضة من الشعب تغازل الصمت، لأنها لم تجد في هذا النوع من الأداء السياسي أي تعبير اجتماعي مقنع. وصدق صمت الطبقة العريضة عندما وجدنا المسار الأول يتراجع عن قناعته بجدوى التغيير الدستوري الأخير في فترة لم تتعد السنتين، أما المسار الثاني فما زال في كل مرة يرمي بعبارات الرفض الشعبي حتى صار نكتة يتندر بها المواطنون ويتفرج عليها واضعو السياسات. واستمر الفراغ السياسي في جانب المعارضة الايجابية ليطال النخبة ذاتها، والتي لم تعد ترى في الممارسة السياسية سوى حلا سياسويا لمكبوتات اجتماعية وتاريخية واستخداما براغماتيا للآلة الحزبية من أجل تحقيق منافع لا تختلف كثيرا عن المنافع التي ما زالت تحققها مجموعات أخرى توصف بالمجموعات الحاكمة أو النافذة. وفي كلتا الحالتين وضمن تجربة التعددية والديمقراطية الفتية في الجزائر خسرت الطبقة السياسية فرصا شعبية كاملة ما دامت تفتقد الى أدوات الانتشار الرئيسة والتي هي: الخطاب المعبر عن الأنا الحقيقي للأمة، البرنامج المتضمن أجوبة مقنعة عن أسئلة الناس والقدوة السياسية التي تمنح القيادة الحزبية تميزا يستقطب قلوب السكان وانتباههم.
  • حقيقة، فهمت الطبقة المعارضةُ المعارضةَ على غير الفهم الذي تبناه الطرح الموضوعي في الفكر الاسلامي، حيث دلت الأحاديث الى أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أي يسمع تلاوته ويتممها إن كانت فيها أخطاء محتملة، فلا هي إذن موافقة بدون شروط ولا هي رفض بدون دواع.
  • فراغات البناء النخبوي
  •  وسرعان ما امتد الفراغ في الدورة السياسية المحركة للرأي العام الى النخبة المثقفة التي تنازلت عن أسباب تنظمها حول أفكار ونظريات محددة لصالح التشتت غير المفهوم، وانقسمت الطبقة المفكرة حول مفردات لا تسمن ولا تغني من جوع مثل: اللغة، التعايش، الاديولوجيا، الالتزام الديني، التراث، الحداثة وما بعد الحداثة، مشروع المجتمع، النص وقراءة النص. وانقسمت النخبة على نفسها الى درجة الغياب ثم التلاشي وسط مجتمع مل من السؤال دون أن يجد الجواب.
  • ورافعت بعض النخبة عن نفسها باتهام السلطة أنها عملت على تفكيكها وباتهام النظام الفعلي أنه عمل على تشتيتها وحرمانها من أدوات تشكيل الرأي وإمكانيات صناعة القرار، وقد يكون لها في ذلك بعض الصواب، لأن أي نظام سياسي مبني على الشرعية التاريخية لا يستوعب قوى نخبوية من خارج تلك الشرعية نفسها بل يعادي أي تكوين نخبوي قد يشكل في المستقبل خطرا على مصالح يرى أنها مصالح مشروعة ومقبولة تاريخيا واجتماعيا. ولكن القابلية للتفكيك والتشتيت تبقى هي الورقة الرابحة والضاغطة في يد نظام سياسي تلك هي طبيعته.
  •  وأمام طبقة سياسية فارغة من أي محتوى اجتماعي وطبقة نخبوية مفككة، تجد السلطة السياسية ذاتها في فراغ قاتل عندما يتعلق الأمر بثورة محتملة أو بمطالب ملحة تستدعي سياسات جديدة ورؤى أخرى في معالجة الأزمات. فراغ يقتضي تضامن الجميع: سلطة ومعارضة ونخبة، لصالح حلول جذرية توفر الحريات، تؤمن الحقوق وتحقق الانسجام السياسي المطلوب. وغير ذلك إعطاء فرصة للعلبة السوداء في مشروع الثورة كي تعبر عن نفسها، ولكن ضمن نسيج سياسي غير منسجم ووعي ثوري غير مكتمل التنظيم، مما قد يدفع بالأمور الى المجهول.
  • المطلوب استعجالا
  • تنتعش بذور الثورة كلما تمادت السلط الحاكمة في اللامبالاة أو تباطأت في معالجة أسئلة الشعوب، وكلما كانت الطبقة الصامتة واسعة التجذر في صفوف الفئات النشطة كالشباب مثلا كانت استجابة الشارع سريعة وفعالة عند اندلاع الشرارات الأولى للاحتجاجات واسعة النطاق.
  •  صحيح أن للنظام الجزائري ميزات متقدمة نسبيا -عربيا- على سلم الديمقراطية والحريات وتوزيع الثروة، والانفاق على حاجات السكان وتحقيق انجازات كبرى على الأرض لا ينكرها إلا متنطع لا يريد أن يرى، ولكن ما تحقق لحد الآن من انجازات لا يلتقي مع الطموحات المشتركة بين فئات خاصة من المجتمع هي فئة الشباب. الأمر يتعلق بالمشاركة السياسية حيث لا يزال جيل الاستقلال بعيدا عن ممارسة الحكم تحت طائلة الشرعية التاريخية بعد مضي قرابة نصف قرن من تاريخ الاستقلال السياسي للبلاد، وبالمشاركة الاقتصادية حيث ما زالت فئات واسعة من الشعب خارج النسيج الانتاجي وبعيدا عن دوائر تحقيق التراكم الرأسمالي، وبالمصالحة مع الثقافة الوطنية حيث لا يزال الجميع يرى لغته الأم مهمشة في دوائر القرار ولغة المستعمر هي السيدة المفضلة، شعب برمته يتطلع الى توظيف الاسلام ضمن البدائل التنموية المتاحة، خاصة وأن هذا الجميع نفسه يتابع المركز الرأسمالي وهو يقترب من التطبيقات الاسلامية في مجال التمويل وإدارة المشاريع والتداول على الأسهم والأوراق المالية. وفي جانب الممارسة السياسية لا يزال الباب مغلقا أمام إطلاق المبادرات الجمعوية وتشكيل الرأي الحزبي دون قيود.
  • لن تخسر السلطة شيئا إن هي حررت المجال السياسي وأطلقت الحريات المكبوتة وأغنت المشهد الاعلامي وحاربت الفساد بكل فعالية، بل سيتعزز موقعها داخليا وخارجيا لأنها ستصير أمام مشهد سياسي جديد يساعدها على امتصاص الصدمات، وسترى سريعا أنها تشارك في قيادة مجتمع مفعم بالأفكار الايجابية والمبادرات البناءة في اتجاه واحد هو تنمية الموارد المتاحة وتحقيق الانسجام بين السلطة والشعب، انسجام ما زال منذ الاستقلال يبحث عن نفسه كالجوهرة المفقودة في الرواية البريطانية الشهيرة.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
16
  • ARAB Miloud

    إلغاء الظرائب و استبدالها بالزكاة
    الظرائب كانت سبب فى إفلاسي

  • HAMZA

    بارك الله فيك واضيف الى مقالك سطر واحد لعلاج معضم هذه المشاكل ~ الغاء اللغة الفرنسية تماما من الجزائر ~ لكي تشل حركة ابناء فرنسى وقطع رحم جيلهم الجديد وطوي الصفحة بالعربية والانجليزية

  • سيف الدين

    بارك الله فيك يا أستاد رغم أني لست صاحب إختصاص إلا أني أفهم ما تطرحه من أفكار بكل سهولة و هدا راجع إلى وضوح الرؤية عندك
    صدقني أن جل من في الحكم لن يفهم ما تقول. فهم في طغيانهم يعمهون و قد ران على قلوبهم ماكانوا يفعلون.و في آدانهم وقر فهم لا يسمعون فجلهم على المصالح يتهافتون و لكنهم يخربون بيوتهم و لا يشعرون فهم بإختصار مجموعة من الجياع الجهال إلا من رحم ربي
    و أكبر مشكل هو إنتقال فيروساتهم إلى فئة من الشعب التي أصبحت مثلهم لا يهمها إلا مصالحها الشخصية .فقد أصبحت هده الفئة تغش في كل شيء

  • علي لرقط البرج

    نشكرك يا دكتور و نشكر الاستاذ زواوي على حقيقة واحدة ذكرتموها و هي أن النخبة سلبية و و هذا لان التغيير عندما نرقبه من خارج أنفسنا يأتي هزيلا لا يلبي مطالب ما نأمله مهما جاولنا و ذلك لاننا تجاوزنا قاعدة ربانية أساسية و هي " لا يغير الله ما بقوم حتى يغييروا ما بأنفسهم" مستحيل أن ننتصر على نظام لا نملكه إذا لم ننتصر على أنفسنا قبلا...

  • ali bba

    كل ما قلته صحيح يا دكتور لكن هل تعتقد أن حلا سينفع في ضل بقاء ثقافة متجذرة في أغلب الإدارات مبنية على المعارف و البيروقراطية و المحسوبية فالمسؤولين هم أبناء الشعب و أي واحد يكون في المسؤولية سيسلك نفس الطريق لأنها ثقافة عميقة و موجودة على مستوى اللشعور الجماعي فالحل إذا قبل الثورة على النظام يجب أن نثور على أنفسنا أولا " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" قانون رباني لا يجب أن نتجاوزه

  • H.dey nassim

    بسم الله, بارك الله فيك و رفع شأنك في الدنيا و الآخرة يا أستاذنا, كما عهدناك في الجامعة تلقي لنا محاضراتك القيمة ذات مستوى رفيع و منهج سهل و تحليل علمي دقيق يستوعبه العقل فألف شكر لأستاذنا على هذا التحليل الإستشرافي لواقع جزائرنا, فقد أصبتم موضع الداء و قدمتم الدواء, فنسأل الله أن يجعل زمام الآمر بيدك و أن يجعلك من أهل القرار و يجعلك عزيز الجزائر كما كان يوسف عزيز مصر. آمين.

  • عادل

    سيدي الدكتور بشير مصطفى استاذي الكريم الا تتفق معي في ان الدولةاو النظام بصفة عامة بصدد تخدير الشعب و تستعمل في ذلك:
    - (وزارة التضامن ANSEJ-ANJEM........).للحلول الاجتماعية.

  • Sofiane Med

    Mr Bachir you are wise Man all the best

  • عبد الحق زواوي

    أتّفق معكم فيما ذهبتم اليه في فقرة فراغات البناء النّخبوي من حيث وهن نخبتنا أو ان شئتم سلبية نخبتنا،نخبة انقسمت الى نخبة موظّفة وأخرى مهمّشة همّها المحافظة على عذريتها،والفراغ لايعود في رأيي الى طبيعة ماتحمله النخبة من مشاريع وطموحات ومفردات مثلما أكدتم انتم "مفردات لاتغني ولاتسمن من جوع "بل يعكسها التردد في اقتحام ساحة التغيير بهذه المفردات لأن تنمية شاملة بدون هوية فكرة استعمارية ولا يمكن لعاقل أن يتصوّر تغييرا بدون وجود مشروع وخيركم من خالط الناس وصبرعلى آذاهم،وهذا ماتم استدراكه في المطلوب

  • ابراهيم الخليل

    اما بعد ،
    أرى أن مقالاتك في مقالاتك قدر كبير من الصواب ، فذلك راجع لخبرة في مجالات الإقتصاد و أسواق المال ، الأمر الذي قد يبدو للقارئ بساطا يرتقي بأذنه إلى مجالس الخبراء .. بساط تنسجه مفردات اقتصادية قلما يتقاها المتلقي . و من جهة أخرى ، فلنتفق يا أستاذ أن الإستدلال بالقرآن يجب أن يكون في مستوى الأمانة في التفسير ، كأن تبرَرَ ثورات الشعوب بقوله تعالى " أُذن للذين أخرجوا من ديارهم ....أن يقاتلوا في سبيل الله " ، و هو ما قلتموه خلال تنشيطكم لندوة أشرف عليها مركز الأمة للبحوث بجريدة الشعب مؤخرا .

  • Alijani

    Tres bon article , Analyse claire et consistente

  • علي عيساوي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    شكرا و ألف شكر ياستاذنا الكريم
    على كتابك هذا و على كل بحوثك و مقالاتك النيرة التي تصدر من قلب مخلص لبلاده وفيا لمبادئه طموح لمستقبل شعبه مدرك لتحديات أبنائه
    و أتمنى أن تتجسد الإصلاحات ليحصل الأبناء على نتائجهالامسكنات تزول بعد فترة أنية إصلاحات يعدها خبراء و أساتدة مختصين ينفذها تكنوقراطين و يشرف عليها رجال القانون لنحصل على نتائج لا تزول بزوال المسببات
    فألف تحية لأستاذنا الكريم
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

  • nadin

    لا فض قلمك يا أخي بشير ولا جف حبرك ،فعلا تشخيص وتحليل ولا أروع ، بارك الله في جهودك وجعل القراء كلهم في مستوى هذه الأفكار .

  • مبارك المتحسر على هذا الوضع

    شكرا لك يادكتور بشير مصيطفى لقد شخصت الوضعية في الجزائر من جميع النواحي وفي شتى المجالات بشكل دقيق ,وماتركت شيئا, نحن نشهد أنك بلغت لمن كان له عقل و قلب و غيرة على هذا الوطن .

  • محمد الجزائري

    شكرا جزيلا على المقال يا دكتور...نحن لا نريد إلا الإصلاح. ولا يهمنا الطريقة، نرجو من القائمين على أمر الجزائر الحبيبة أن يسارعوا في ذلك قبل فوات الأوان.

  • yusuf

    نريد:
    1. رفع الرسوم الجمركية إلا رمزيا مع السماح لكل السلع بالدخول إلا المحرمات.
    2. تقليص أو إلغاء الضرائب
    3. محاربة البيروقراطية وجعل جواز السفر 10 بدل 5 سنوات وشهادة الميلاد مدى الحياة مع رقمنة كل الوثائق وتوفيرها عبر الحاسب الآلي
    4. إلغاء تدعيم السلع وقسمت مال الدعم على من دخله 5 ملايين وتحت.
    5. اللحية والصورة بالحجاب حرية شخصية خذوا البصمات فهي كافية
    6. إلغاء الفرنسية كليا واستبدالها بالإنجليزية كلغة ثانية بعد العربية.

    هذه إصلاحات تأخذ يوما كي تطبق وليس سنوات. طبقوها فورا. وشكرا