الاعتماد على الفرنسية كجسر بين العربية والأمازيغية خطأ كبير
قال باحثون ومؤرخون شاركوا في الملتقى الدولي “يوغرطة في مواجهة روما” الذي انعقد بعنابة أن الأجوبة المتعلقة بأسئلة عن جذور اللغة الأمازيغية في الجزائر، لا يمكن أن نحصل عليها دون دراسة تاريخ منطقة المغرب القديم المشترك، وبمعزل عن السياسات الحالية والحدود الجغرافية والحسابات الضيقة .
قال الباحث في علم التاريخ القديم، الأستاذ التونسي القدير محمد حسن قنطر الذي يعد من أوائل الباحثين المكوّنين في هذا المجال بتونس بعد استقلالها، في حديث مع “الشروق اليومي”، أنه ينبغي توكيل هذا الأمر إلى متخصّصين في تاريخ اللغة وجذورها، لأن ما كتب لحد الآن حول التاريخ اللغوي القديم لمنطقة المغرب ليس سوى مجرد عموميات، مع أنه جانب مهم في كسب معركة الهوية التي ترتكز على اللغة، مؤكدا على ضرورة الرجوع للحرف النوبي (وأصله منطقة النوبة) لأنه أصل اللغة القديمة في مناطقنا المغاربية، لكون النقائش التي تم العثور عليها في العديد من المدن الأثرية التونسية التي أشرف شخصيا على التنقيب في إحداها طيلة ثلاثين سنة، أظهرت أن الملك ماسنيسا أقر الكتابة باللغتين النوبية والبونية، وهي الفينيقية التي انتشرت غرب المتوسط، لكونه أراد فرض النوبية، ولكنه لم يستطع، فأظهرت النقائش المكتشفة في مدينة دوقا بتونس مثلا، النص النوبي على اليمين، والنص البوني على اليسار، وفي تحليلي يضيف المتحدث أن هذا تمكين للحرف النوبي على الحرف البوني، لكن الأمر تغير في النقائش اللاحقة فأصبحت البونية تعتلي النوبية، مع العلم أن مثل هذه النقائش عثر عليها في سيرتا عاصمة الملك ماسنيسا، والنوبية أعرق من التيفيناغ التي تعتبر حديثة نسبيا، والنقائش تعني الكتابات بخلاف النقوش التي تعني الصور .
وعن الجدل بشأن الحرف الأنسب لكتابة اللغة الأمازيغية، قال الباحث إنه ثمة عمل كان يفترض القيام به منذ زمن، وكان ينبغي أن يقوم على البحوث والدراسات العلمية للوثائق النوبية الموزعة في شمال إفريقيا لأن الحضارة التي لا مرجعية لها لا تدوم وتلك مرجعيتنا، ولكنه عمل يتطلب إرادة سياسية وعلمية وتظافرا للجهود وتشجيع للشباب على البحوث الأثرية الميدانية المستندة على التكنولوجيا الحديثة، والعلوم المساعدة كاللغات القديمة مثل الفينيقية والبونية واللاتينية وغيرها، مع العلم أن الباحث يعد من الرعيل الأول الذي تلقى تكوينا في هذه اللغات بمعهد الآثار والفنون في تونس وفي السربون بفرنسا، وأضاف المتحدث أنه لا يجب إقصاء الحضارات الأخرى التي تمازجت في هذه المنطقة، وأفرزت تنوعا وثراء كبيرا، فبعض الكلمات الفينيقية يتقاطع أصلها مع أخرى موجودة في اللغة الأمازيغية، والدليل على ذلك التسميات التي مازالت مشتركة، وأن الاعتماد اليوم على اللغة الفرنسية كجسر في الربط بين اللغتين الأمازيغية والعربية خطأ كبير، وهو جسر من بناء المستعمر لشيء في نفسه، واليوم يجب النظر إلى العروبة كحضارة وليس كعرق أو استعمار بالمفهوم التقليدي للكلمة.
وحول الجدل الذي أثاره بعض المشاركين بشأن مغاربية نوميديا، قال المؤرخ أنه ينبغي تقديم قراءة موضوعية في هذا الصدد، فمدن يوغرطة الكبيرة مثلا، كانت كلها في تونس حسب الأدلة الأثرية الدامغة في مدن باجة، وتالة، وزاما، وسيكا، وحتى مدينة قفصة جنوبا التي دمرها الرومان لاستماتتها في الدفاع عن ملكها يوغرطة، معتبرا الاعتماد على مصادر قديمة أو غير مصحّحة إلى اليوم، غير كاف في عصر الأبحاث الأثرية المعتمدة على التكنولوجيا الحديثة، إذ أن هذه المدن التونسية ليست مذكورة في كتاب المؤرخ الروماني “سالوست” الذي كتب “حروب يوغرطة” واعتمد الكثيرون عليه في تدوين ذلك الجزء المهم من تاريخ نوميديا، وهو نفس الطرح الذي ذهب إليه الأستاذان محمد تليلي ومصطفى خنوسي الذي قال إن يوغرطة تاريخ مشترك، داعيا إلى توحيد البحوث والجهود الميدانية بين البلدين لكون النوميدية والأمازيغية لا تتوقفان عند الحدود الجغرافية المرسومة اليوم بين الدولتين الآن، فهي حدود وهمية بالنسبة للتاريخ.