الرأي

البحث عن الجين المسبِّب للسرطان

بقلم: د. عثمان عبد اللوش
  • 754
  • 0

إن التطورات في علم الأحياء (la biologie) الحديث، وخاصة علم الوراثة الخلوي (la génétique moléculaire)، يحتاج إلى أدوات رياضية جديدة مثل علم الإحصائيات أو الإحصاء وعلم الإحتمالات ودورهما في البحث عن جين مرتبط بسرطان الثدي.
هناك أمراض عديدة لها طبيعة وراثية: يكون خطر الإصابة بها كبيرا أو صغيرا اعتمادًا على ما إذا كان يحمل جينًا له القابلية للإصابة بالمرض المعني. هذا هو السبب في أن علم الوراثة اليوم يسعى إلى فهم دور الجينات المختلفة، وخاصة دورها في أسباب الأمراض على أمل تطوير العلاج في يوم من الأيام. على سبيل المثال، يؤثر سرطان الثدي في الجزائر أو سيؤثر على واحدة من كل عشرين امرأة تقريبا. بالإضافة إلى عوامل الخطر المختلفة كالنظام الغذائي والتبغ والتعرُّض للإشعاعات الخطيرة وما إلى ذلك.
لقد تم التعرف على الجين المسبِّب لمرض سرطان الثدي قبل بضع سنوات إذ تشارك المورِّثات (allèles) في نسبة عالية من النساء المصابات بهذا المرض الخبيث. وسمّي هذا الجين BRCA1 (لسرطان الثدي). ولا يمكن الحصول على مثل هذه النتيجة، ذات الطبيعة الطبية الحيوية، إلا من خلال سلسلة من التحليلات الإحصائية التي سنرى أنها أتاحت تحديد مكان الجين بشكل أكثر دقة.
ولطالما تجاهل علم الوراثة الطبيعة المادية للجينات. لم يُتوصّل إلى تسلسلات الحمض النووي ADN إلا في السنوات الخمسة والعشرين الماضية فقط، فالسلسلة الخلوية (la chaîne moléculaire) التي تجسّد المعلومات الجينية التي تنتقل وراثيا من الوالدين إلى الأطفال. ومع ذلك، فإن الجهل بالتركيب الكيميائي للجينات لم يمنع بأي حال من الأحوال من الحصول على نتائج جيدة على وراثة هذه السمة أو تلك.
والسؤال الأول الذي يطرح نفسه بقوة في مواجهة مرض مثل سرطان الثدي هو: هل هو مرض وراثي، هل هناك جينات تهيئ للإصابة بهذا المرض؟.
بالنسبة للسرطانات (les cancers)، كانت الاستجابة غير مؤكدة منذ فترة طويلة. ومن المتوقع وجود استجابة إيجابية إذا كانت هناك تركيزاتٌ عائلية للمرض، إذا كانت ابنة أو أخت امرأة تعاني من مخاطر أعلى من السكان ككل.
نحن نعلم، منذ العالم مندل (Mendel) تقريبًا، أن الشخصية الوراثية غالبًا ما يتم تحديدها بواسطة «جين» يمكن أن يتخذ عدة أشكال، تسمى المُوَرّثَةُ. يرث كل فرد مورثة (allèle) من والده ومورثة (allèle) من والدته؛ ينقل إلى كل من أطفاله أحد هذين المورثتين (allèles) بشكل عشوائي. ثم يقترح عالم الوراثة، لانتقال المرض المدروس، نموذجًا يفترض مسبقًا تدخُّل جينات ومورثات معينة. يجب التحقق من صحة هذا النموذج من قبل الإحصائي باستخدام الاختبارات الإحصائية المناسبة، والتي، على سبيل المثال، ستقضي على أبسط الافتراضات، مثل: «المرض الذي جرت دراسته ليس له مكوِّنٌ وراثي».
في حالة الأمراض ذات المسبِّبات المعقدة (سرطان الثدي) المدروسة بشكل كبير، والتي تنطوي على عوامل بيئية أو يعتمد حدوثها على العمر، يجب معالجة البيانات المعتمدة على الوقت؛ ويجب عندئذ استخدام إحصاءات العمليات؛ إذ نستعمل كلًّا من فرع الاحتمالات وفرع الإحصاء، وهما فرعان هامان من فروع الرياضيات.
بمجرد التأكد من وجود جين قابلية الإصابة بسرطان الثدي عن طريق تحليل النّسب، تتمثل الخطوة الثانية في تحديد موقعه، على الأقل تقريبًا، على أحد الكروموسومات البشرية البالغ عددها 23 في الخلية الجنسية. ومنذ الثمانينيات، أصبحت العلامات متاحة لهذا الغرض؛ وهذه سلاسل حمض نووي ADN صغيرة ومحدَّدة جيدًا يمكن «قراءتها» بتكلفة أقلّ، على سبيل المثال من خلال التحليل الكيميائي السريع، فالعلامات التي يسهل نسبيا تحديد موقعها، تجعل من الممكن، على سبيل المثال، تقييم التشابه بين مناطق الكروموسومات التي تم فحصها لدى المرضى والأشخاص ذوي الصلة.
كلما زاد تشابه نفس منطقة الكروموسوم لدى الأفراد ذوي الصلة بالمصابين، زاد احتمال أن تحمل هذه المنطقة جينًا متورطًا في المرض.
بالطبع مثل هذا التحليل، الإحصائي، معقد بسبب حقيقة أن كل أب لا ينقل إلى أولاده الكروموسومات التي ورثها بنفسه عن والديه، ولكن إعادة تركيب هذه الكروموسومات (الشكل 2).
إذا اعتبرنا جينين موجودين في البداية على نفس الكروموسوم، فيمكن العثور عليهما على كروموسومين مختلفين بعد إعادة التركيب؛ وكلما زاد احتمال حدوث ذلك، زادت المسافة بين الجينين المعنيين. لذلك فإنّ تحليل درجة التشابه على طول الكروموسوم هو دراسة عملية عشوائية. وبفضل عملية الإحصائيات، من الممكن تحديد فترة يوجد فيها جين القابلية للتأثر. ومن ثمّة فإنّ استخدام العلامات مكّن الفريق الأمريكي الذي يرأسه الدكتور جيف إم هول (Dr Jeff M. Hall) في بيركلي (Berkeley) بالولايات المتحدة الأمريكية من تحديد موقع جين BRCA1 على الكروموسوم رقم 17 في عام 1990.
ثم تكون مسألة تحديد موقع الجين بدقة وتحديد بنيته. من المعروف أن الحمض النووي ADN، المادة الوراثية، عبارة عن سلسلة جزيئية طويلة «مكتوبة» بأبجدية مكونة من 4 «أحرف» (a و c و g و t، الأحرف الأولى من الأنواع الأربعة من الجزيئات التي تتكون منها سلسلة الحمض النووي ADN) تسرد أو ترتّب بنوك البيانات الجينية المليارات من هذه الرسائل (نحو 25 مليون في اليوم…).
تتيح دقة طريقة العلامة في أحسن الأحوال تحديد موقع الجين على تسلسل الحمض النووي بنحو 4 ملايين حرف. لمعرفة بالضبط أي مورِّثة (allèle)، مسؤولة عن سرطان الثدي، على سبيل المثال، من الضروري «قراءة» هذه التسلسلات في الموضوعات الصحية والمريضة لمقارنتها. هذا يرقى إلى العثور على «خطأ في الكتابة» في نص من 4 ملايين حرف، كما يقال كتاب من 2000 صفحة أو بالأحرى في العديد من الكتب من 2000 صفحة كلما كان لدينا أفراد لدراستهم.

كلما زاد تشابه نفس منطقة الكروموسوم لدى الأفراد ذوي الصلة بالمصابين، زاد احتمال أن تحمل هذه المنطقة جينًا متورطًا في المرض. بالطبع مثل هذا التحليل، الإحصائي، معقد بسبب حقيقة أن كل أب لا ينقل إلى أولاده الكروموسومات التي ورثها بنفسه عن والديه، ولكن إعادة تركيب هذه الكروموسومات.

هذه المهمة ثقيلة، حتى مع وجود موارد حاسوبية قوية. ومع ذلك، في البشر، لا تشكل الجينات أكثر من 3٪ من الكروموسومات. توصف بقية المواد الكروموسومية بأنها بين الجينات.
إذا تمكنّا من قصر البحث عن أخطاء الكتابة على الجينات فقط، فإننا نقلّل التسلسل الذي سيتم استكشافه إلى نحو ثلاثين صفحة، والتي تصبح في متناول أي جهاز حاسوب.
ولكن كيف يمكن تمييز الجينات عن البقية؟ اتضح أن «الأسلوب» الذي تكتب به الجينات يختلف من جين إلى آخر: فوتيرة تعاقب الحروف ليست هي نفسها. يمكن للمرء أن يسعى إلى استغلال هذا الاختلاف في الأسلوب لتعليق التسلسل وتمييز الجينات عن الجزء بين الجينات. التحدي شاق. ويجب أن نستخدم نماذج إحصائية تسمى سلاسل ماركوف (Markov) الخفيّة وجرى تطويرها في الثمانينيات، والتي لها علاقة بمشاكل التعرف التلقائي أو الآلي على الكلام؛ كان لا بد من تكييفها مع علم الجينوم (la génomique)، في الوقت ذاته الذي يجري فيه تطوير الخوارزميات التي يمكن أن تميز الأنماط المختلفة وتعيين أسلوب لكل موقع على الكروموسوم.
وهكذا، حُدِّد موقع BRCA1 أخيرًا بدقة. ويمكن الآن قراءته بسهولة في كل مريض اليوم. يحتوي جين قابلية الإصابة بسرطان الثدي هذا على 5592 حرف وأكثر من 80 مورثة (allèles) معروفة. ولا تزال هناك وظيفة جديدة للإحصائي: وهي تحديد العلاقات بين المورثات (allèles) المختلفة وانتشار هذا السرطان.
يشير مثال جين BRCA1 إلى أن علم الأحياء (la biologie) من المحتمل أن تصبح علاقته بالرياضيات مثلما هو علم الفيزياء مع الرياضيات انطلاقا من هذا الآن والقرون المقبلة: ولتوفير مجال للتطبيق على الأدوات النظرية الحديثة وتشجيع تطوير أدوات جديدة (أشرنا هنا إلى الأدوات الإحصائية وأيضا الاحتمالات، ولكن يمكننا أن نذكر مجالات أخرى من الرياضيات مثل النظم الديناميكية (les systèmes dynamiques)، والتحسين (optimisation)، وحتى الهندسة، ويلعب التشكيل المكاني للجزيئات (la conformation spatiale des molécules)، كما نعلم، دورًا أساسيًّا في وظيفتها).
وهناك اليوم تحدي جديد يُطرح على الإحصائي (statisticien): نحن قادرون حاليًّا على وضع بضعة آلاف من الكواشف على سطح زجاجي بمساحة سنتيمتر مربع واحد «الرقائق» ومن ثمّة نعرف الجينات التي تعمل فيها الأنسجة، وفي أي ظروف تجريبية أو… في الخلايا السرطانية. توفر القياسات المخبرية، في ظل مئات الظروف المختلفة، للباحثين قدرًا كبيرًا من البيانات العددية، والتي تميز وتعبّر عن آلاف الجينات.
حتى اليوم، هناك فقط للتحليلات الإحصائية الادِّعاء بمعالجتها ومن ثمّة توضيح الروابط بين الجينات والأمراض.
وهنا لا يسعني إلا أن أؤكّد مرة أخرى، أن تأخذ وزارة التربية الوطنية تدريس الرياضيات بجد واهتمام كبير منذ السنوات الأولى لتعليم الابتدائي، فالرياضيات هي مادة أساسية لكل الفروع التقنية والعملية والأدبية وحتى الفنية والمسرحية والموسيقية. وكما ذكرتُ من قبل فعلم الأحياء (la biologie) أصبح اليوم يعتمد على الرياضيات مثلما تعتمد العلوم الفيزيائية عليها.

مقالات ذات صلة