الرأي

البحث عن “غراب” لتعليم “قابل” الشام

حبيب راشدين
  • 4589
  • 0

النظام السوري وإعلامه الموالي استبقا الحدث بإعلان النصر في معركة “استعادة” مدينة حلب، وكان حري بهما تصدير الحدث بعنوان أكثر صدقا: “النظام والحلفاء يستعيدون خرائب حلب” أو ما بقي مما عفا عنه الطيران الروسي، لأن هذا كل ما سيستعيده النظام حين يكتمل الحسم، وهذا ما كانت ستفوز به المعارضة لو حالفها الحظ.

ثم ماذا بعد الانتصار؟ فهل ستحتاج الرقة وإدلب وما بقي من أحياء وقرى الغوطتين ومدن وقرى الشريط الحدودي مع تركية إلى ما احتاج إليه “تحرير” حلب؟ ثم ماذا “بعد ـ بعد” حلب حتى حين يتحقق النصر الكامل للنظام ؟ فكيف له أن يتصالح مع أكثر من 70 % من شعبه وقد حول نصفهم إلى مهاجرين يسودون صفوف “الشتات السوري” والنصف الآخر إلى نازحين رحل يقتاتون على المعونة الدولية؟ ثم كيف سيتصرف مع أراملهم ومع الأيتام؟ وكيف سيتعامل أخيرا مع عشرات الألوف من السوريين الذين حملوا عليه السلاح؟ لأن القصة الدائمة هي معهم وليست مع ما وصف بـ “الإرهاب الوافد” الذي سوف يرحل بعد أن أنجز المهمة ولا يعنيه من المنتصر؟

مثل هذه الأسئلة غابت عن المهللين اليوم لهذا “الانتصار” المحدود في المكان والزمن، والذي لا يمكن لأي عاقل أن يعده مغنما للشعب السوري من الفسطاطين المتناحرين إلا إذا كان قتل قابل لأخيه يعد انتصارا، وقد حقت فيهم ما توعدت به الآية الكريمة: “… مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا…” فلا أمريكا، ولا فرنسا وبريطانيا، ولا دول الإقليم قد خسرت في هذا القتال فوق طاقة الاستعادة بالمناورات الدبلوماسية، ولن تخسر الجماعات المسلحة الوافدة سوى تغيير الموقع واستبدال ساحة بساحة، لكن الخاسر الأكبر بلا ريب هو الشعب السوري الذي سيرث أرضا محروقة وعمرانا مردوما ومجتمعا تتوارث فيه الكراهية والثأر كابرا عن كابر.

ذات الأسئلة كان يفترض أن يستشرفها النظام ومعارضوه عند بداية ما سمي بـ”شغب أطفال درعة” ليتنافسوا في إغلاق باب الفتنة بالبحث مبكرا عن “عام جماعة” للسوريين كان سيكون أشرف للجميع وأقوم من أي انتصار يتحقق ليوم أوغدا بمئات الألوف من الضحايا، وببلد تحول إلى خراب، ومجتمع سيفقد السلم الاجتماعي لعقود قادمة.

فقد كان بوسع الأسد أن يفسح وقتها بعض أشباه الكراسي للمعارضة ثمنا رخيصا، يعصم دماء السوريين بتضحية فردية، وقد فعلها من قبل من هو أفضل منه: الخليفة الراشد عثمان الذي حرم على الصحابة بالمدينة الدفاع عنه بحد السيف في وجه ” الثوار” الوافدين من مصر والعراق، وآثر على نفسه ودمه واجب عصمة دماء المسلمين، ثم فعلها بعده الإمام الحسن حين سلم أمر الخلافة لمعاوية حقنا للدماء، فسن بذلك سنة “عام الجماعة” التي غابت حكمتها عن نخبنا، وهي تنخرط بلا روية في فتنة رأيناها تقبل بأكثر من شبهة بالمتشابه من “ربيع الشعوب” ولا نراها تدبر بجلاء حتى يكف المسلم عن طلب مغانم غثة من متاع الدنيا، بدماء بريئة هي أول ما سيحاسب عليها يوم الدينونة.

فهل سيتعلم “قابل” الشام من أول غراب يصادفه كيف يواري سوءات ضحايا انتصاره أم يتوارى من القوم فيدسهم تحت الأنقاض؟

مقالات ذات صلة