الرأي

البحرية الجزائرية سيدة المتوسط: من أمجاد الرياس إلى القوة الإقليمية

بقلم: بوطالب عرجاني
  • 115
  • 0

     تُشكل منطقة الحوض الغربي للبحر المتوسط واحدة من أكثر الممرّات البحرية والمنافذ الإستراتيجية أهمية وحساسية في الجغرافيا السياسية العالمية؛ إذ تتداخل فيها خطوط الملاحة الدولية وشرايين الإمداد بالطاقة مع توازنات الأمن القومي لدول ضفتي المتوسط. وفي قلب هذا الفضاء المداري، برزت القوات البحرية التابعة للجيش الوطني الشعبي الجزائري كقوة إقليمية ضاربة وركيزة أساسية لا غنى عنها في معادلة الردع والاستقرار.

لم يكن هذا التميز وليد الصدفة، بل جاء ثمرة إستراتيجية عسكرية واعية ورؤية سيادية قائمة على بناء قوة ذاتية احترافية، قادرة على حماية السيادة الوطنية وفرض قواعد الاتزان في منطقة شهدت عبر التاريخ تجاذبات دولية صعبة.

إن المفهوم الاستراتيجي للقوة البحرية الجزائرية يتجاوز الأبعاد التقليدية لحماية السواحل إلى أداء دور “صمَّام الأمان الإقليمي”؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية أن وجود أسطول بحري متطور يجمع بين التكنولوجيا العالية، وسلاح الغواصات الردعي الحديث، والمنظومات الصاروخية المتطورة، قد شكّل حائط صدٍّ منيعًا، حال دون تحويل غرب المتوسط إلى ساحة صراع أو منطقة نفوذ لمشاريع وانتشارات عسكرية أجنبية قد تهدد أمن المنطقة برمتها. إن الحرص الجزائري الصارم على منع التدخلات الأجنبية وتكريس مبدأ السيادة الإقليمية لأزمات المنطقة هو الذي حافظ على التوازن الجيوسياسي، ومنع فرض سياسات الأمر الواقع على الدول الوطنية المطلة على هذا الممر الحيوي.

ولم تقف حدود هذه القوة عند الأبعاد العسكرية والأمنية الصرفة، بل تعدّتها لتكون الضامن الأول للأمن الطاقوي والاقتصادي على المستوى الدولي. وتتجلى هذه الحقيقة الميدانية في التأمين الفعال والمعقد لتدفقات الغاز الطبيعي عبر الأنابيب البحرية العابرة للمتوسط (مثل أنبوب ميدغاز المتجه نحو إسبانيا وخطوط الإمداد الإستراتيجية الممتدة عبر البحر نحو إيطاليا مثل أنبوب “إنريكو ماتي” Trans-Med)، إضافة إلى المنشآت البترولية الحيوية وحركة ناقلات الطاقة.

إن التغطية البحرية والدورية المستمرة التي توفرها البحرية الجزائرية تحت الماء وفوق السطح تُساهم بشكل مباشر في ضمان وصول إمدادات الطاقة الإستراتيجية إلى إيطاليا وإسبانيا ومنهما إلى العمق الأوروبي بكفاءة وأمان تامين، مما يعزز موقع الجزائر ليس فقط كشريك طاقوي موثوق، بل كدولة محورية تحمي الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لجوارها الإقليمي والدولي وسط ظروف عالمية متقلبة.

ويمتلك التاريخ العسكري للجزائر في حوض البحر المتوسط جذورا ضاربة في عمق الزمان، إذ لا تُعدّ القوات البحرية التابعة للجيش الوطني الشعبي مجرد نتاج لبناء عسكري حديث، بل هي الامتداد الطبيعي لتقاليد بحرية عريقة صاغت ملامح الجيوسياسة المتوسطية لعدة قرون. لقد شهدت الضفة الغربية من البحر المتوسط مع بداية القرون الوسطى، وتحديدا خلال القرن السادس عشر، ميلاد أعظم قوة بحرية ضاربة في المتوسط تحت لواء “الرياس” والبحارة الجزائريين. وتأسس هذا الصرح التاريخي العظيم على أيدي قادة عظام حفروا أسماءهم بماء الذهب في ذاكرة التاريخ العسكري الجزائري؛ بداية من الشقيقين الأخوين عرُّوج وخير الدين بربروس، اللذين وضعا النواة الأولى للأسطول الجزائري واستجابا لنداء النجدة والتضامن في مواجهة الحملات الصليبية والتوسُّع الاستعماري في المنطقة.

ومنذ ذلك العصر الذهبي، تحولت الجزائر إلى جدار صدٍّ حصين وقوة سيادية يهابها القريب والبعيد، يقود أسطولها العتيد جيلٌ إثر جيل من كبار “الرياس” القادة الذين فرضوا هيمنتهم الكاملة على الملاحة الدولية في الحوض الغربي والشرقي للمتوسط. ولقد برزت أسماء خالدة في سفر هذا الأسطول، أمثال الرايس علي بتشين، والرايس مراد، والرايس حميدو، والقائمة تطول من القادة الذين جعلوا شواطئ الجزائر وقلعتها البحرية حاميةً للشرف العربي والإسلامي، وصانعةً للقرار الملاحي والتجاري في المنطقة لقرون متتالية، حتى عُرفت البحرية الجزائرية بـ”سيدة المتوسط”.

ولم تكن الأقدار والتحديات التاريخية العاصفة لِتُمحي تلك العقيدة البحرية الراسخة من الوجدان الوطني؛ فمع إشراق فجر الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية عام 1962، انطلقت مرحلة جديدة من بناء وتأسيس القوات البحرية الجزائرية في أحضان الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني. وبإرادة سياسية وعسكرية صلبة، بُنيت البحرية الحديثة على قاعدة الصلابة والتأهيل والتطور التكنولوجي، مستلهمةً روح الإقدام من أمجاد “الرياس” الأوائل، ومجهَّزةً بأحدث التقنيات والأسلحة البحرية والردعية، لتغدو القوات البحرية الجزائرية اليوم قوة إقليمية حديثة ومحترفة، لا تحمي الحدود والسواحل الوطنية فحسب، بل تقف ركيزةً صلبة للأمن والاستقرار وتأمين السلم في الحوض الغربي للبحر المتوسط.

لم تكن نشأة القوات البحرية للولايات المتحدة الأمريكية نتاجا لرفاهية إستراتيجية أو مجرد توسع طبيعي لدولة حديثة الاستقلال وقتها، بل جاءت تحت وطأة الضغط الميداني والضربات الموجعة التي تلقتها ملاحتا وتجارتها البحرية في مياه البحر الأبيض المتوسط خلال أواخر القرن الثامن عشر. وبعد انتهاء حرب الاستقلال الأمريكية وفقدان حماية الأسطول الملكي البريطاني، وجدت السفن التجارية الأمريكية نفسها وجها لوجه أمام أعظم قوة بحرية ضاربة في المنطقة؛ الأسطول البحري الجزائري، الذي كان يفرض سيادته الكاملة على حركة الملاحة ويحمى المياه الإقليمية والممرات الإستراتيجية باقتدار وشراسة تحت لواء “الرياس”.

ولقد سجل التاريخ بأحرف لا تُمحى كيف تسببت الإستراتيجية البحرية الجزائرية الحازمة –عبر احتجاز السفن وفرض الإتاوات وتطبيق قوانين الملاحة الصارمة في البحر المتوسط– في أزمة شلل اقتصادي وسياسي واحتدام داخل الكونغرس الأمريكي الفتي. وأمام العجز عن حماية الملاحة الأمريكية بالوسائل الدبلوماسية أو بدفع الفدى والإتاوات المالية التي أرهقت كاهل الخزينة الأمريكية المتواضعة آنذاك، أدرك صناع القرار في واشنطن، وعلى رأسهم الرئيس جورج واشنطن وآخرين، أن الدولة الجديدة لا يمكن أن تحظى بالاحترام أو تحمي مصالحها القومية من دون امتلاك قوة بحرية ذاتية ضاربة قادرة على الردع والقفز فوق المحيطات.

ومن رحم هذه التحديات المباشرة والهجمات المتكررة التي شنها البحارة والرياس الجزائريون، صدر “قانون البحرية لعام 1794” (Naval Act of 1794)، الذي أقرّ رسميًّا بناء أول ستة فرقاطات عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة (على رأسها الفرقاطة الشهيرة USS Constitution)، ليكون ذلك القرار المنطلق والميلاد الفعلي للبحرية الأمريكية الحديثة (US Navy). وهكذا، تشهد الوثائق والأحداث التاريخية على أن المواجهة المباشرة مع القوة البحرية الجزائرية في مياه المتوسط كانت هي المحرك والمحفز الأساسي الذي دفع الولايات المتحدة لبناء أول أسطول حربي في تاريخها، دفاعا عن وجودها التجاري ومكانتها بين الأمم.

إن الاحتفال بعيد الجيش في الرابع من هذا شهر أوت هو تجديد لعهد الوفاء للشهداء الأبرار، وتأكيد على التلاحم الأبدي بين الشعب وجيشه الأبي. تحية إجلال وتقدير لكل أفراد الجيش الوطني الشعبي، وفي مقدمتهم حماة بحارنا الأشاوس؛ دمت يا جيشنا درعا للوطن، وعزا للأمة، وحاميا لسيادة الجزائر وحرمة ترابها ومياهها الإقليمية. كل عام وجيشنا الوطني الشعبي بألف خير، والجزائر آمنة، شامخة، ومستقرة.

إن التغطية البحرية والدورية المستمرة التي توفرها البحرية الجزائرية تحت الماء وفوق السطح تُساهم بشكل مباشر في ضمان وصول إمدادات الطاقة الإستراتيجية إلى إيطاليا وإسبانيا ومنهما إلى العمق الأوروبي بكفاءة وأمان تامين، مما يعزز موقع الجزائر ليس فقط كشريك طاقوي موثوق، بل كدولة محورية تحمي الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لجوارها الإقليمي والدولي وسط ظروف عالمية متقلبة.

مقالات ذات صلة