البركة ليست في القليل!
عدد كبير من المواطنين باتوا لا يطلبون من السلطة في الظرف الراهن، كثيرا من الحقوق، رافعين شعار “البركة في القليل” بشكل يوحي أن السلطة برعت في تجميد فئات واسعة من الشعب، فأضحى هؤلاء “سلبيين” بالفطرة، وفاشلين بالوراثة، يتغاضون عن حقوقهم بحجة أنها من المستحيلات ولو كانت مشروعة، ويفرطون فيها وكأنها، عبء ثقيل، لا يلزمهم رغم أنها ضرورة قصوى أحيانا.
-
فمثلا، كم تبقى من المواطنين خريجي الجامعات وأصحاب الكفاءات الذين مازالوا يلحون على ضرورة توفير مناصب عمل دائمة ومستقرة، مقارنة بأولئك الذين باتوا يتشابكون، يوميا، داخل مديريات التشغيل الولائية بحثا عن المناصب المؤقتة، أو يتنازعون حصصهم من الأكذوبة الكبرى المسماة عقود ما قبل التشغيل!!؟ ألم يصرخ ويستغيث مواطنون في وهران والعاصمة وغيرهما من المدن، لمطالبة السلطات المحلية بإبقائهم في بيوتهم القصديرية و”التكرم” فقط بعدم هدم “براريكهم”، أو رميهم في الشارع، بدلا من مطالبتهم بسكنات لائقة تحفظ كرامتهم! كيف تدحرج مطلب توفير المياه الصالحة للشرب إلى المرتبة الثانية والثالثة والعاشرة أحيانا، مقابل اكتفاء المواطنين بأن يشربوا مياهاً وفقط، مهما كان نوعها ولونها ورائحتها، ولو كانت تلك التي تختلط بالمجاري وقنوات الصرف الصحي، فوجودها أفضل من قطعها نهائيا أو الركض وراء الصهاريج بحثا عنها!
-
ألم يعد المواطنون لا يأبهون برفع أسعار الخبز والبطاطا والطماطم، وغيرها من المواد الغذائية الأساسية، إلا في رمضان، ويصومون عن الاحتجاج ضد نهب جيوبهم في الأشهر المتبقية!؟
-
كيف تحول مطلب كثير من المواطنين مثلا والنخبة معهم، من ضرورة مشاهدة قنوات متعددة وخاصة ومتنوعة في التلفزيون، إلى مجرد حث السلطة على إنشاء قناة رياضية قبل المونديال، وبعدها لا يهم الأمر، حتى لو تجاوزنا الأشقاء الموريتانيين في الحرية أو حتى البنغاليين!
-
مطالب كثيرة، يصعب حصرها في هذا المقام، ويستحيل الوقوف عندها جميعا، لكنها تؤشر بوضوح على أن فئات واسعة من المواطنين، رفعت شعار “البركة في القليل” خيارا استراتيجيا لها، حتى وان كانت تعلم أن ترك الكثير المتبقي فيه إجحاف وتعدٍ على الحقوق والحريات، كما أن سياسة “هكذا ولاّ أكثر”، أو “خير من والو” ما هي إلا إمعان في السلبية، والرضوخ، وقديما قيل “من فرعنك يا فرعون” فأجاب “لم أجد من يردّني”.