-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البلوك والديزابوني وغيرها.. المشاعر الإلكترونية التي عوضت العلاقات الحقيقية

ك. فاروق
  • 90
  • 0
البلوك والديزابوني وغيرها.. المشاعر الإلكترونية التي عوضت العلاقات الحقيقية

لم يعد الفراق، في زماننا هذا، يحتاج جلسة عتاب مطولة، أو مكالمة لوم ترتجف فيها الأصوات. وطبعا، نحن لا نذكر حتى تلك الرسائل الورقية المكتوبة بدموع العين اليوم، تنتهي العلاقات بنقرة واحدة على زر البلوك، وتتبخر الصداقات الطويلة بإلغاء متابعة…

الشروق العربي، تنقر على أزرار المشاعر، في محاولة لفهم كيف تحولت إلى مجرد نقرة أونلاين.

لم تعد التكنولوجيا على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيط لنقل الأحاسيس التي تملأ باطننا، بل تحولت إلى “مشاعر مُصنّعة” بديل لها؛ حيث استبدلنا العلاقات الإنسانية الحقيقية بتعقيداتها بمشاعر إلكترونية، تُشحن بلايك وتُطفأ بحظر.

في الماضي، كانت العلاقات البشرية تُبنى على التحلي بالصبر ومواجهة الطرف الآخر، وجها لوجه. حين كان الناس يختلفون في ما بينهم، كان هناك وسيط يحاول ردء الصدع وتقريب وجهات النظر. وكان هناك جلسات الصلح، التي كان الهدف منها حل المشكل من جذوره. أما اليوم، فقد منحتنا المنصات الرقمية سلطة مزيفة نتحكم من خلالها في علاقاتنا دون رادع أو وازع…

جلاد العلاقات

من المشاعر الإلكترونية العنيفة في مواقع التواصل الاجتماعي البلوك، الذي صمم في البداية كأداة تقنية للحماية من التطفل، فصار سلاحا عاطفيا فتاكا. إنه التجسيد الرقمي لما يسمى في علم النفس الإلغاء التام للآخر؛ فمجرد أن تضغط على هذا الزر العجيب، يختفي الشخص الآخر من وجودك الافتراضي، الذي صار يمثل جزءا كبيرا من واقعنا.

المشكلة في الواقع مختلفة، فالأشخاص الحقيقيون الذين تعرفهم لا يمكنك إلغاؤهم تماما من حياتك، وعليك أن تواجههم وتعاتبهم، قبل أن تطلب منهم ألا يكونوا جزءا من حياتك. وهذا حق من حقوق الإنسان، خاصة في ظل انتشار العلاقات السامة والصداقات الهدامة والزمالات المنافقة. لكن، في المواقع، الأمر بات بسيطا، لكن هذا الهروب السهل من المواجهة يبني جيلاً يعاني من “هشاشة عاطفية”، غير قادر على تحمل الاختلاف أو إدارة النزاعات في الحياة الحقيقية. يعني باختصار شديد جيلا ضعيفا.

ليلة اغتيال المشاعر

إن كان البلوك شعورا غاضبا وثائرا، فإن “إلغاء المتابعة” أو “الديزابوني”، هو العقاب البارد والناعم أو الكوستينغ. هو بمثابة بديل رقمي لشعور اللامبالاة الصامتة.

مشاعرنا اليوم صارت قيمة رقمية في بورصة التفاعل؛ فالإعجاب بستوري شخص ما قد يفسر بأنه اهتمام، وتجاهل منشور آخر يُترجم كنفور وإعلان حرب باردة. وسائل التواصل الاجتماعي قامت بما هو أخطر، فقد علبت مشاعرنا وأحاسيسنا الفطرية المركبة والمعقدة على شكل إيموجيهات، فأصبح الفرح والحزن والتعاطف والتفاؤل والصدمة والذهول والخيبة والغضب والحب عبارة عن “كبسات زر”، قد لا تعبر عن الشعور الحقيقي للشخص الذي عبر عنها، وهذا ما يجعلنا نغرق في مشاعر مزيفة، مبنية على المصالح والأهواء.

التخطي المزيف

يروج المؤثرون والمؤثرات لقوالب خطيرة، قد يكون أكثرها انتشارا زعمهم القدرة على التخطي، وهو التخطي الإلكتروني، الذي يعيد تشكيل وعينا بالعلاقات على حسب الأخصائيين. فالإنسان الذي لديه القدرة على التخلص من أصدقائه افتراضياً، يصبح أقل تمسكاً بهم في الواقع. المفارقة التي نعيشها اليوم، لسوء الطالع، أننا صرنا نعيش في قرية صغيرة متصلة ببعضها البعض، لكن وراء ذلك تكمن المشكلة الأعمق، وهي أننا على كثرة شاشاتنا، صرنا أكثر عزلة وجفافاً في الواقع.

قد يكون البلوك والديزابوني درعا واقيا من جروح الأنا، وطريقة جديدة وفرت علينا عناء النقاشات المنهكة، لكنها، في المقابل، سلبتنا أجمل ما في الإنسانية: قدرتنا على الغفران، مرونتنا في استيعاب الآخر، ولذة التصالح بعد الخصام.

مواجهة الواقع وليس المواقع

إن المشاعر الإلكترونية، ليست إلا قوالب “بلاستيكية” لا تدفئ القلوب، فقد يمنحك “البلوك” راحة مؤقتة من شخص مزعج، وقد يشفيك “إلغاء المتابعة” من فضول متابعة أخبار من خذلك، لكن السلام النفسي الحقيقي لا تصنعه الأزرار والإيموجيهات، بل هو مواجهة حقيقية في الحياة بقلب شجاع، يدرك أن البشر ليسوا هولوغرامات صنعتها التكنولوجيا، ويمكن بضغطة زر إزالتها من الوجود.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!