-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التاريخ يكتب نفسه

الشروق أونلاين
  • 5691
  • 6
التاريخ يكتب نفسه

التاريخ كالسيف إن لم تقطعه بالكتابة ذبحك، والذي لا يكتب عن نفسه بنزاهة إما أهمل الناس كتاباته أو كتبوه هم كما يريدون، ولسنا ندري إن كان ما أحدثته مذكرات الطاهر الزبيري من “تهافت التهافت” على حد تعبير الفيلسوف ابن رشد الذي ردّ على كتاب الغزالي…

  • حالة صحية تؤكد أن الكلمة الطيبة لها مسمع طيب، والذين حكموا على الجزائري بأنه يهتم بغذاء البطن قبل غذاء العقل، وخاصة غذاء الذاكرة إنما قذفوه بالباطل، أم أنها حالة تؤكد أننا نعيش فراغا رهيبا وحياة ظل تجعلنا نقتدي بأي نجمة تسطع حتى ولو كانت من الآفلين، وكان صاحبها من صُنّاع القرار الذي فيه أقاويل حسب الجزائريين. الأمريكيون الذين أبهرونا بالصوت والصورة، ودوّخونا بالفضائيات والعنكبوتيات والفايس بوك والتويتر، وبلغوا القمر والمريخ مافتئوا يعودون إلى الكتاب الذي يكتبه صٌناع الحدث العلمي والسياسي والأمني، فقد كتب أنشتاين وارمسترونغ وشارلي شابلن وإيزنهاور مذكراتهم، وكتب كارتر وريغن وحتى أوباما الذي مازال شابا في سنوات حكمه الأولى، والفرنسيون الذين تعوّدنا أن نقتدي بهم سنّوا كتابة تاريخهم منذ نابليون بونابرت مرورا بديغول ووصولا إلى ساركوزي، ومع أن المفكر مالك بن نبي في شهادته على القرن حاول أن يقدم في جزأين نفسه وحِقبته بأمانة، إلا أن الكتاب التاريخي الواحد لا يمكنه أن يصنع الحقيقة الكاملة، لأنه لولا سيرة ابن كثير وتاريخ الطبري ما كان لسيرة بن هشام ذات الوزن، فتاريخ الأمم ليس كتاب مذكرات واحد، وإنما مكتبة كبرى تمنحنا قراء دائمين لا ينتظرون معرضا واحدا في السنة وكتابا يشغلهم في السنة.
  • مشكلتنا في الجزائر مع كتابة التاريخ لا تختلف عن مشكلة العالم العربي والإسلامي في السير على نهج المدرسة التي تُطالب بدفن الحقائق حتى لا تُثار الفتن وتكفير كل من يحاول أن يفتح ملفات قديمة ويحاول إعطاء وجهة نظره كما حدث مع عميد الأدب العربي طه حسين عندما كتب “وعد الحق والفتنة الكبرى”، فأصبح الكتاب الذي من المفروض أن نفتحه لنقرأ أنفسنا نفتح به أبواب الخلاف، والجزائر على قلة إنتاجها الأدبي والفكري والتاريخي والسياسي فإن كل كتاب فيها مرتبط بتهمة، فمن “نجمة” أخرجوا كاتب ياسين من ملة خاتم الأنبياء، ومن الزلزال قذفوا الراحل طاهر وطار بالإلحاد، ومن عابر سرير فكرت أحلام مستغانمي في اعتزال الكتابة، وحتى مذكرات خالد نزار وعلي كافي والطاهر الزبيري وغيرهم لم تمنحنا جيل نُقّاد يقرأون السطور وما بينها، ويُشرّحون الكتاب ويردون عليه ليس بالأحكام السهلة الجاهزة وقذفه بالكذب ووصفه بالتافه وإنما بكتاب آخر كما يحدث في دول العالم، فقد كتب شارل ديغول مذكراته فردّ عليه الفرنسيون بأكثر من مئة كتاب، وكتب كيسنغر مذكراته فردّ عليه الأمريكيون والعرب والانجليزيون والإسرائيليون أيضا بأكثر من خمسمائة كتاب، وكتب الآن الطاهر الزبيري مذكراته، فهلاّ ردّ عليه من عاصروه في صنع القرار بكتب أخرى، لأن التاريخ لا يعيد نفسه وإنما يكتب نفسه إذا لم يكتبه صانعوه من الأخيار ومن الأشرار، وعندما يكتب التاريخ نفسه فإنه لن يرحم الصامتين؟          
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • abdelaziz

    نعم لقد كان الطاهر الزبيري قائد الأركان في عهد الرئيس الراحل رجلا قويا لكن من خلال إستقراء ما وراء السطور تبين أنه كان أحد الطامعين إلى السلطة قد ينفي ذلك لكنها الحقيقة -كما أن من شأن نجاء الإنقلاب الذي قام به أن يسفك دماء الجزائريين مجددا بعد االزبيري عند هروبه من البطش لجأ إلى المقهورين في جبال الجزائر الذين من الأكيد أنه لم يكن لثورة المباركة من خلال مذكراته التي حاول من خلالها إظهار الوجه القبيح لبومدين أظهر دهاء هذا الأخير في إستمالة الرجال من حوله صف إلى ذلك وهي العبر هنا أن الطاهر يتذكرهم

  • barkati

    قال أحد الحكماء:
    لا أخاف بعد الله الا التاريخ...!؟

  • عبد اللــــــــــــه

    كل ما يجي موت كاش مسؤول عند العرب تسمع بيه بلي راهو رايح ايخرج كتاب،
    السؤال اين كانوا في التسعينات لماذا لم ينشر ايا من الناس على هذا الانسان، هل
    عندما يكون الانسان قوي في قدراته الجسمية والنفسية لا يتكلم على امور مثل هذه
    اكيد لا، لكن الضمير وعدم النوم في الليل والخوف من عدم الاستيقاظ من الفراش هو
    من يحرك كل المسؤولين على قول الحقائق السرية. مثل الذي حياته الشبابية كلها في النهب والتسلط والتجبر لكي يبني مستقبله وعندما يكبر يذهب الى الحج ليتطهر
    ولِيُغفر له. ومَكَرو ويمكرُ الله والله خير الماكرين.

  • imen

    عقدة كتابة التاريخ تبقى اخر اهتمامات من صنعوه .على اصحابه التحلي با لشجاعة

  • mouloud

    شكرا عبد الناصر على المقال;
    علقت في إحدى حلقات عمي الطاهر زبيري فلم ينشر تعليقي !!! وكل ما قلته في تعليقي هو أنني بدأت بالسلام والشكر لعمي الطاهر على شجاعته في كتابة جانب من حياته كمسؤول وكقائد تاريخي في جزائر الثورة والاستقلال وليس ذلك بالهين , ثم تمنيت أن يحذوا حذوه رفقائه في الرب وكذلك مثقفينا ونقادنا لإثراء وتمحيص تاريخ بلادنا الذهبي ,.لعلنا نرسم صورة مشرقة لأجيالنا الصاعدة الذين فضلوا الغرق في البحر أو الإنتحار حرقا لإنسداد الأفق أمامهم وللتشكيك في هويتهم.
    وأرجوا أن ينشر تعليقي هذه المرة والسلام.

  • بدون اسم

    والمعنى باين