الرأي

التجربة‮ ‬الجزائرية‮ ‬نموذجا‮!‬

جمال لعلامي
  • 4943
  • 14

الذي يحدث هذه الأيام بمصر وتونس وليبيا وسوريا، حوّل “الربيع” إلى صيف يحرق بلسعاته الساخنة ورياح “السيروكو” جميع المستلقين والمنكبّين على وجوههم هنا وهناك، وهي فجأة تتحوّل “الثورات” إلى فتنة وإلى بوادر “حرب أهلية” والعياذ بالله، وإلى صراع ونزاع سياسي، ولا تـُريد‮ ‬أن‮ ‬تضع‮ ‬الحرب‮ ‬أوزارها‮!‬

لقد تحوّل “الربيع العربي” في هذه البلدان الشقيقة والصديقة والجارة، إلى مفرخة لصناعة الرعب والخراب والقلاقل بين الأشقاء الفرقاء، ولنا ولهم جميعا ودون استثناء، أن يتمّ تقييم وإحصاء المكاسب والمصائب، الخسائر والإنجازات، المحققة وتلك التي ضاعت منذ اندلاع ما سمّي‮ ‬بالربيع‮ ‬العربي‮!‬

أحد‮ ‬القراء‮ ‬الأفاضل،‮ ‬قال‮ ‬لي‮ ‬في‮ ‬تعليق‮ ‬سابق،‮ ‬أن‮ ‬أمريكا‮ ‬وبلدان‮ ‬أوروبية،‮ ‬عاشت‮ “‬ربيعها‮” ‬منذ‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬قرن،‮ ‬وما‮ ‬تعيشه‮ ‬اليوم‮ ‬بعض‮ ‬البلدان‮ ‬العربية،‮ ‬هو‮ ‬ما‮ ‬عاشته‮ ‬تلك‮ ‬الدول‮ ‬الغربية‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬الوقت‮!‬

قد أكون مخطئا في تشخيصي، لكن ألم نعش كعرب ومسلمين، ثوراتنا منذ قرون أيضا؟ ألم نسبق هذا الغرب “المتطور والقوي والمتحضر” بحضارتنا التي مازال سياحهم يهبّون لاكتشاف خباياها وخفاياها وألغازها وأسرارها؟ ألم نقد ثوراتنا ضد الاستعمار الغربي الذي احتلـّنا بالحديد والنار‮ ‬ونهبنا‮ ‬واغتصب‮ ‬أرضنا‮ ‬وعرضنا؟

هل “الثورة” تعني الدمار والخراب والتكسار وإشعال النار؟ هل “الثورة” التي يُغذيها “الناتو” هي ثورة؟ هل “الثورة” التي تستفيد منها الدول المستعمرة هي ثورة؟ وهل “الثورة” التي تشتـّت شمل “الثوار” هي ثورة؟

أحبّ من أحبّ، وكره مكن كره، تبقى الثورات الجزائرية مثالا للافتخار ونموذجا للثورات الناجحة، فسواء تعلق الأمر بالثورة التحريرية، أو ثورة الثورات، أو تعلق الأمر بثورة الخامس أكتوبر وفرض الديمقراطية، أو ثورة محاربة الإرهاب والتصدّي لتفكيك الدولة وضرب استقرارها‮ ‬وأمنها‮ ‬ووحدتها،‮ ‬أو‮ ‬تعلق‮ ‬الأمر‮ ‬بثورة‮ ‬التصدّي‮ ‬للحڤرة‮ ‬والفساد،‮ ‬فإن‮ ‬هذه‮ ‬الثورات‮ ‬لا‮ ‬يُمكن‮ ‬هكذا‮ ‬ببساطة‮ ‬نسفها‮ ‬أو‮ ‬تتفيهها‮ ‬أو‮ ‬محاولة‮ ‬منافستها‮ ‬والمزايدة‮ ‬عليها‮ ‬هنا‮ ‬وهناك‮!‬

إن الثورة التي يُعرف تاريخها مسبقا ومبكـّرا، ليست ثورة، بأيّ حال من الأحوال، والثورة التي “تاكل ولادها” ثورة “حڤارة”، والثورة التي تنشغل باقتسام الثروة، هي ثورة غنائم، ولعلّ “الثورات” التي يعرفها العرب والمسلمون، عبر عدد من البلدان، إمّا أنها ثورات من الطينة‮ ‬المذكورة،‮ ‬أو‮ ‬أنها‮ ‬ثورات‮ ‬تعرّض‮ ‬للسطو‮ ‬والتحويل‮ ‬والاستغلال‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬صيّادي‮ ‬الفرص‮!‬

قد يستحقّ من يُدافع عن حسني مبارك أو زين العابدين بن أو معمّر القذافي، الإعدام، أو على الأقل السجن المؤبّد، لكن الذي يُدافع عن ما تعيشه اليوم مصر وتونس وليبيا، من عدم استقرار ولا أمن وفوضى وخوف من المستقبل، فهو إمّا مخبول أو مستفيد أو يبحث عن ريوع ما بعد “الثورة‮”!‬

متضامنون مع الإخوة والأشقاء في ليبيا وتونس ومصر، وهذا لا يستحق لا تفكير ولا انتظار، وقد نقول لهم ما قاله المثل الشعبي الشهير: “خوذ راي ألـّي يبكيك وما تخذش راي ألـّي يضحكك”، وعندما نقول ذلك، فلأننا كجزائريين دسنا على الجمرة قبلهم، وتذوّقنا الدفلة قبلهم، وقديما‮ ‬قالوا‮ “‬سال‮ ‬المجرّب‮ ‬وما‮ ‬تسالش‮ ‬الطبيب‮”!‬

مقالات ذات صلة