الرأي

التحدي والاستجابة

جاء في القرآن الكريم قوله عز وجل عن الإنسان إنه خُلق من كَبَدٍ، ويقول الشعراء عن هذه الحياة الدنيا:

طُبعت على كدَر وأنت   تريدها صفوا بلا كدَر

هذا الكبَدُ والكدَرُ يكون في الجماعات البشرية كما يكون في الأفراد، وما يعيشه الإنسان -فردا وجماعة- هو ما نسمّيه “التاريخ” بحلوه ومرّه، بانتصاراته وانكساراته.

وتعدّ كل حادثة، فردية أو جماعية، طبيعية أو بشرية، تحديا لهذا الإنسان، وبعضُ المؤرّخين لم يكتفوا بتسجيل هذا الكبَد أو هذه الأكدار، وإنّما حاولوا دراسة أسباب هذا الكبَد أو هذه الأكدار، ويستخلصون عبرا ودروسا، وهو ما سمّاه الأستاذ مالك ابن نبي “الحادث والتاريخ”. وقد نشأت عدّةُ مدارس تفسّر هذا “الحادث”، وهو ما سمّاه بعض الدارسين “فلسفة التاريخ”، وسمّاه أحد العلماء المسلمين “فقه التاريخ”.

من هذه المدارس المدرسةُ التوينبية، نسبة إلى المؤرّخ البريطاني أرنولد توينبي (1889- 1975)، الذي أطلق على دراسته للتاريخ البشري وللحضارة الإنسانية مصطلح “التحدي والاستجابة”. ولهذا المؤِّرخ عدةُ مؤلفات أهمّها على الإطلاق كتابه الذي خصَّصه للحضارات البشرية، وقد بلغت أجزاؤه عشرًا، واختصره فؤاد محمد شبل في أربعة أجزاء تحت عنوان: “مختصر دراسة للتاريخ”. ويعدّه بعضُنا مناصرا للقضايا العربية وعلى رأسها قضيَّة فلسطين، وقد أفردها بكتابٍ صغير سمّاه “فلسطين.. جريمة ودفاع”، وهو عبارة عن مناظرة بينه وبين سفير الكيان الصهيوني في كندا بعد هزيمة 1967.

ملخّصُ نظرية توينبي التي سمّاها “التحدي والاستجابة” هو أنّ أيَّ مجموعةٍ بشرية واجهت تحدّيا طبيعيا كالزلازل والبراكين والفيضانات، أو بشريا كغزو مجموعة بشرية لأخرى، لابدّ أن تواجِه هذا التحدّي بـ”استجابة”.

هذه الاستجابةُ إمّا أن تكون مساوية لذلك التحدِّي، فيقع “الركود”، وإما أن تكون أكبر من ذلك التحدّي فتتجاوزه وتنتصر عليه فتستمرّ في النموّ والإطّراد، وإما أن تكون الاستجابة أقلَّ من ذلك التحدّي فتندثر تلك الجماعة وتصير “أثرا بعد عين”.

لقد تعرّض شعبُنا عبر تاريخه الطويل لـ”تحدِّيات” كثيرة وكبيرة، طبيعية وبشرية، ولكنّه واجهها بـ”استجابة” أكبر، ومن هذه التحديات ما فعله المجرمون من هذه الحرائق، فهبّ شعبُنا بجميع فئاته لمواجهة ما أصاب جزءا منه. وقد ذكّرتني تلك الاستجابةُ بكلمةٍ كتبها عن الأمة الجزائرية الإمامُ ابن باديس واصفا إياها بأنها “أمة مِعوانةٌ على الخير، منطوية على استعدادات الكمال، وذات نسب عريق في المحامد والفضائل”. والفضلُ في ذلك لهذا الإسلام الحنيف الذي يعدّنا إخوة، ومثلنا كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى.

مقالات ذات صلة