التحرشات الجنسية أكثر ما يدفع الأرامل واليتامى إلى الشارع
كشف مؤسس أول جمعية وطنية لكافل اليتيم السيد رابح العرباوي في ندوة الشروق عن جملة من التجاوزات والاعتداءات التي تطال الأرامل واليتامى في بيت الزوج بعد وفاته، أهمها التحرشات الجنسية التي دفعت بمئات الأرامل للهروب إلى الشارع، مما دفع بالجمعية إلى رفع دعاوى قضائية ضد العديد من آباء الأزواج المتوفين وإخوتهم، كما بيّن المتحدث أن الجزائر تحتوي على أزيد من 800 ألف يتيم غير متكفل بهم هم أقرب الناس للانحراف لما يعانونه من فقر وحرمان مما يسهل استغلالهم في شبكات التسول والرذيلة.
وأكد رابح العرباوي أن الأرملة مهما فعلت واجتهدت لا يمكنها أبدا أن تعوض سلطة الأب، بل يبقى دائما هناك نقص عند الطفل اليتيم، ولا بد من تعويض هذا النقص الأبوي إما بالخال أو العم، لكن للأسف غالبا ما تجد الأرامل في بلادنا أنفسهن وحيدات حيث تتخلى عنهن العائلة وأهل الزوج، ولا يلعب الأخوال والأعمام أي دور في التكفل باليتامى وبأمهاتهم، وهنا يكمن دور الجمعية الوطنية لكافل اليتيم التي تحاول أن توفر الكفالة لليتيم ولوالدته، من خلال المساعدة النفسية والمادية والمعنوية، لأن الأرملة مهما صمدت وكافحت تبقى ضعيفة لأن أغلبية الأرامل لا يترك لهن الأزواج أي منحة أو معاش أو دخل شهري، لأنهم لم يكنوا مؤمّنين اجتماعيا، وغالبا لا يترك الزوج المتوفى لزوجته وأبنائه حتى مسكنا يأويهم بل يقيمون مع أهله، أو في مسكن مستأجر، وهنا تبدأ مشاكل الأرملة وأبنائها اليتامى، فغالبا ما يتخلى عنها أهل الزوجة ويطردونها من البيت ويلجؤون أيضا إلى التحرش بها واستغلالها، ويرفض أهلها استقبالها هي وأبنائها، في الوقت الذي لا تملك هذه الأرملة أي دخل لاستئجار بيت فتجد نفسها في الشارع هي وأبنائها اليتامى .
ورغم أن هناك قوانين تحمي اليتامى وأمهاتهم إلا أنها غير مطبقة وغالبا لا تستطيع الأرملة إجبار أهلها وأهل زوجها على التكفل بأبنائها ومنحهم حقوقهم لأنها تجد نفسها ضعيفة وحيدة وبدون عائل بعد وفاة زوجها .
دموع الأرملة هي أكثر ما تدفع اليتيم نحو الانحراف
قال رابح العرباوي إن “اليتيم عندما يرى أمه تذرف الدموع يتكون لديه تفكير سلبي فلا يستطيع الدراسة، وإذا كان عمره 16 أو 17 سنة فهو معرض للتسرب المدرسي والانحراف، ومن اليتامى من اضطر إلى مغادرة مقاعد الدراسة بالرغم من ذكائه الحاد بهدف مساعدة أمع الجريحة“.
وأضاف المتحدث “قفة رمضان لا تعتبر تكفلا باليتيم لأن اليتيم لا يأكل في رمضان فقط، كفالة اليتيم ليس بإعطائه 1000 دينار ثم ننساه طوال السنة، أو بإعطائه قفة رمضان، أو بدلة في العيد، ثم ننساه باقي أيام السنة، لأن اليتيم لا يأكل في رمضان فقط، ولا يلبس في العيد فقط، بل يأكل ويشرب طوال السنة مثله مثل كل الناس، ويجب أن يلبس ويدرس ويعالج إذا مرض مثله مثل كل الناس، وهذه هي الكفالة بمفهومها الواسع، فماذا تغطي 1000 دينار من كل هذه التكاليف، مضيفا “العديد من المحسنين يشترون قفة من المأكولات لليتيم أو الأرملة، أو بدلة أو يعطونه 1000 دينار في الشهر، معتقدين عن حسن نية أن هذا كل ما يحتاجه اليتيم، ونحن نتفهم المحسنين لأن لديهم مسؤوليات عائلية ومسؤوليات في العمل ولديهم مشاغل ومشاكل يومية، لكن على الجزائريين أن يتعلموا أن لا يعيشوا لأنفسهم، بل يجب أن يعيشوا لفعل الخير، ويبحثوا عن طرف وسبل فعل الخير، ومثلما يسألون عن ميكانيكي موثوق لإصلاح سيارتهم، وعن طبيب متمكّن لعلاج أنفسهم، عليهم أن يبحثوا عن سبل لفعل الخير، وأن لا ينتظروا من اليتيم حتى يأتيهم مادا يده، أو من الأرملة أن تأتيهم مادة لهم يدها، بل عليهم أن يبحوا عنهم“.
العاطفة القوية للجزائريين يجب أن تتحول إلى مشاريع
ومن جهته، قال السيد ياسين بومدين، المكلف بالإعلام والتكوين على مستوى جمعية كافل اليتيم بولاية البليدة، إن الجزائريين يملكون عاطفة قوية لفعل الخير والتي هي بحاجة إلى تفعيل وتكوين واحتراف، فالمحسن على سبيل المثال يجب أن يرعى اليتيم ويتابعه ويزوره ويسأل عن حاله وعن سكنه وحال أمه، ويجتهد ليوفر لليتيم الذي يتكفل به الظروف التي توفر له السعادة.
كما أن العمل الخيري لا يستطيع أن يقوم به محسن واحد أو محسنين أو حتى مئة محسن، بل العمل الخيري لا بد أن يتقاسمه جميع الناس، فاليتامى والأرامل يواجهون صعوبات ومشاكل قد لا تخطر على بال المحسنين، فأحيانا تأتينا أرملة تشتكي تحرش شقيق زوجها بها، وهي حائرة وخائفة ومذعورة، فلا هي تستطع إخبار العائلة بالأمر، ولا هي تستطيع صده عنها، وإذا أخبرت عائلة زوجها قد تنقلب عليها ويطردونها من البيت، كما أنها قد تتسبب في مشاكل عائلية، ومن ثم تكتم الأمر، وتبقى تواجه تحرشات شقيق زوجها في صمت، وأحيانا تأتينا أرامل حاملات في أيديهن فاتورة الكهرباء والغاز، أو وصفة أدوية أو تحاليل طبية لم يستطعن دفع ثمنها.
وقد جاءتنا أرملة أخرى من جيجل، توفي زوجها بالعاصمة، فطردها والد زوجها من البيت، هي وأبنائها، كما جاءتنا ذات مرة سيدة أرملة من البليدة عمرها خمسين سنة، تجر معها عشرة أبناء، من بينهم بنتان عمرهما 22 سنة و24 سنة، كلاهما أرملتان، ولديهما أربعة أبناء، ثلاثتهن توفي أزواجهن في العمليات الإرهابية بالبليدة، تصوروا حجم المأساة، الأم أرملة وبناتها رجعن إليها أرامل ويجررن معهن أطفالا، والجميع معدومين تماما لا يملكون حتى قوت يومهم.
الجزائر بحاجة إلى قوانين جديدة للتكفل باليتامى والأرامل
أكد السيد العرباوي أنه اقترح وضع قانون لليتيم والأرملة لحماية هذه الفئة، معتمدا في ذلك على خبراء ومختصين لصياغة هذا القانون وتقديمه للحكومة، مصرا أن يكون قانونا لليتامى والأرامل معا لأن الأرملة هي أم اليتيم، والتكفل باليتيم يتم من خلال أمه، فإذا كان اليتيم يرى أمه تعاني وتبكي طوال الوقت لن يتربى تربية حسنة.
فاليتيم هو أول فرد في المجتمع معرض للآفات الاجتماعية وخاصة الإجرام والمخدرات والانحرافات، مما يجعل اليتيم سلاحا ذا حدين إذا تم التكفل به ينشأ نشأة صالحة ويكون مواطنا صالحا ومتدينا، وإذا لم يتم التكفل به يلتقطه الشارع فينحرف ويتحول إلى مجرم خطير.
وقال المتحدث إن هناك يتامى تم التكفل بهم من طرف محسنين بوساطة من جمعية كافل اليتيم وما زالوا وهم اليوم ضباطا او مهندسين وأطباء، وقد حضرت مرة حفلا لتكريم المتفوقين في البكالوريا ورأيت يتيما تم التكفل به من طرف المحسنين بوساطة جمعية كافل اليتيم، رفع الشهادة خلال الحفل وبدأ يقول انظر إلى يا أبي لقد حققت حلمك وحصلت على البكالوريا بتفوق وأعدك بأن أحقق أكثر، تأثر بكلامه جميع الحاضرين وبكوا من أعماق قلوبهم. فقد تطور العمل الخيري للكثير من المحسنين الذين باتوا يطلبون منا إرشادهم إلى عائلة من عائلات الأرامل للتكفل التام بها من جميع النواحي، وهذه هي الطريقة المثلى للتكفل باليتامى.
جميع اليتامى والأرامل الذين نتكفل بهم تعرضوا للتحقيق
أكد الأمين العام لجمعية كافل اليتيم بالبليدة “عندما تأتينا الأرملة نأخذ منها ملفا تتوفر فيه كل الوثائق الثبوتية التي تؤكد بأنها أرملة، ولديها أطفال وكذا الشهادات المدرسية والطبية الخاصة بأبنائها إن كان لديها أطفال متمدرسون أو مرضى أو معاقون، ونجري حوارا مع الأرملة حول ظروفها المعيشية ومشاكلها، وحالتها، ثم نضع لها بطاقية تحمل اسمها واسم زوجها وعدد أطفالها وأين تسكن وهل تتقاضى منحة أم لا، وهل هي مؤمنة في الضمان الاجتماعي أم لا لديها سكن أولا، وكيف هي علاقتها بأهلها وبأهل زوجها، هل هي علاقة طيبة أم لا، هل يمنحونها إعانات أم لا، وما نوع وحجم هذه الإعانات، كل هذه التفاصيل تدوّن في استمارة، ومن خلالها يتم تحديد حجم ونوع الإعانة التي تحتاجها الأرملة.
وجدنا في بعض الحالات أن أرملة لها أربع بنات تسكن مع أهل زوجها في غرفة واحدة، وعندما توفي زوجها طردوها، وجاءتنا لمقر الجمعية مكسورة مقهورة في حالة نفسية لا تحسد عليها، في تلك اللحظة قدمنا لها ما كان متوفرا من المساعدة، هي عبارة عن مبلغ مالي، وطيبنا خاطرها بالمواساة، صدقوني لم تصدق هذه الأرملة أن هذه الدنيا ما زال فيها أناس خيّرون ومحسنون، وخرجت من مقر الجمعية وهي منشرحة الصدر ومطمئنة لأنها اكتشف أن هناك محسنين وأهل خير يمكنها أن تلجأ إلهم عندما تضيق بها الدنيا، بعد ذلك خصصنا لها منحة شهرية ووفرنا لها وسائل إنتاجية لتتمكن من تحسين دخلها، حيث اشترينا لها فرنا لطهي المطلوع، وهي الآن تبيع المطلوع بينما تتكفل الجمعية بكل تكاليف الدراسة الخاصة ببناتها الأربع.
وهناك عشرات الأرامل اللواتي وفرنا لهم وسائل إنتاجية بعضهن اشترينا لهن فرنا أو ماكنات خياطة وهن الآن في وضعية أحسن، ونظرا للنجاح الذي حققته الجمعية في التكفل باليتامى والأرامل عن طريق تكوينهن ومنحهن شهادات معتمدة من وزارة التكوين المهني ثم نمنحهن وسائل إنتاجية، قررنا التركيز على الجانب الاستثماري من خلال مساعدة أسر اليتامى بوسائل إنتاجية مصغرة مثل ماكينات الخياطة، وأجهزة صناعة الحلويات التقليدية، وأفران لصناعة الخبز، فالمحسن يحتاج لمعرفة أمواله أين ذهبت، حتى يطمئن ويعرف أن صدقته وصلت، وأحيانا نأخذ المحسنين في زيارات ميدانية للأسرة التي يريدون مساعدتها لنعرفهم عليها ويرون أوضاعها ونتركهم على اتصال معها ليتكفلوا بها، وهو ما جعل معظم المحسنين على علاقة مباشرة مع أسر الأرامل.
تعاقدنا مع عيادات خاصة وأطباء وصيادلة للتكفل بالأرامل
أكد نبيل بومدين، مسؤول الإعلام والتكوين بجمعية كافل اليتيم بالبليدة، أن الجمعيات الخيرية في الجزائر لا بد أن تحترف في فعل الخير، وتعتمد على عمل اللجان والمشاريع، ويكفيها “البريكولاج” الذي جعل العمل الخيري لا يكون إلا في المناسبات، فعوامل نجاح جمعية كافل اليتيم تمثلت في الاعتماد على توظيف مختصين في مختلف المجالات على غرار المحاسب والمداوم وأمين الخزينة أو أمين المال الذي يعد تقريرا سنويا لمحافظ الحسابات، حتى تكون عملية التبرع بالأموال شفافة “فنحن نحاول إقناع المحسنين الذين يريدون تقديم إعانات أن يحولوا الأموال في الحسابات البنكية للجمعية، لكن أحيانا نجد أن المحسن يكون مشغولا كثيرا ويفضل أن يسلمنا الأمانة اليد باليد، ونحن بدورنا نسهل عليه الأمور، ما دامت نيته تقديم صدقة جارية، حيث يستلم المحاسب منه المبلغ ويمنحه فاتورة، ويتولى المحاسب وضع المبلغ في الحساب البنكي، ويتم تسجيل كل ما يدخل وما يخرج من إعانات.
وقد أجاز لنا علماء الدين الذين استفتيناهم استعمال 12 بالمئة من تلك الأموال لدفع أجور الموظفين القائمين على استقبال هؤلاء الأرامل واليتامى، لأن الجمعية لا بد لها أن تعتمد على عناصر موظفين دائمين، كون العناصر المتطوعين لا يمكنهم ضمان المداومة والحضور اليومي، إلا أنا في الجمعية رفضنا اقتطاع 12 بالمئة، بل نقتطع حوالى 6 بالمئة لدفع راتب المحاسب وباقي الموظفين، وعندما نشعر بالشك والريبة، ندفع من جيوبنا لتمويل بعض الأمور الخاصة بالجمعية على أن نأخذ من تبرعات المحسنين التي نعتبرها موجهة لليتامى.
وفي حالة ما لاحظنا أن المحسن متخوف من عدم وصول تبرعاته ليتيم، نطلب منه المجيء معنا في زيارة لليتيم وأمه، ليعطيهما المبلغ بنفسه، أو نترك له الخيارات، فإن كان يريد تحويل تبرعاته لحساب الجمعية في البنك، له ذلك، وإلا نكون نحن الوسيط بينه وبين أم اليتيم، وإلا يضع تبرعاته في صندوق الجمعية، والمحتسب هو الذي يضعهم في البنك، والجديد الذي اعتمدنا عليه في الجمعية عملية التعاقد مع الأطباء والصيادلة للتكفل بالأرامل واليتامى وهي طريقة فعالة جدا يجب أن تعمل بها جميع الجمعيات لضمان تكفل مثالي بالمحتاجين.