الرأي

التدرج بلسان “ادي ادي واه”

حبيب راشدين
  • 2851
  • 0

جنون، حمق، هبل، خرف، بطالة، استهتار، استفزاز، نكتة، مزحة، نكد، تنكيل… وقد لا تسعفنا موارد “لسان العرب” لوصف القرار المرتجل المبتذل، بإدخال اللهجات الدارجة في مقرر المدرسة الجزائرية.

أقلّ من أسبوع مر على التعديل الوزاري الذي عاقب بعض الحماقات الوزارية، فإذا بالناجية بن غبريط تصعقنا بقرار أحمق مجاني ليس له مردود، ليس لنا به حاجة، ولم يطالب به أحد، يضمر مكرا باللسان العربي الموحّد للوطن، وفيه إهانة للإطار التربوي، وعبث بالتلاميذ، واستهتار بأوليائهم، هو بلا شك سابقة في المشرق والمغرب، لم تقترفه حتى الدول الإفريقية متعددة العرقيات، وهو في البداية والنهاية غير قابل للتطبيق.

في مثل الظروف التي يمر بها بلدنا، يعتبر القرار خطيئة سياسية من أكثر من وجه، فهو استفزازٌ مجاني لطبقة سياسية تتربص بالحكومة أخطاء أقل جرما وحماقة منه، وقد حق للمعارضة أن تتوجه بالمساءلة إلى الحكومة التي يُفترض أنها قد بحثت القرار قبل الترخيص له، وإن كانت قد فعلت فتلك مصيبة، أو تكون قد علمت مثلنا بقرار استبدت به الوزيرة، فالمصيبة أعظم، لأن ذلك يؤشر على إدارة منفلتة للشأن العام، كل قطاع وزاري يعمل كضيعةٍ خاصة، وفق أهواء حامل الحقيبة، ووحي من حاشية مستهترة لا يعنيها تداعيات القرار على سمعة الحكومة.

ثم إن القرار يعري عورة وزارة التربية التي يفترض أن قراراتها تخضع لفحص خاص، واستشارات مسبّقة تستنير بالعقول الخبيرة، تستشرف لها التداعيات السلبية والآثار الجانبية، إلا إذا كانت السيدة الوزيرة قد أفرغت الوزارة من الإطارات العالمة بأحوال المدرسة الجزائرية، وأحاطت نفسها بحاشية من مستشارين لا يفقهون في التعليم قطميرا، أو أنهم علموا فتقصدوا ما في القرار من صواعق منتِجة للفتنة اللغوية، مخرّبة للوحدة الوطنية، تريد أن تدخل على العربية ضرّة تكون مع الفرنسية عليها ظهيرا.

 ثم لنضع جانبا هذه التحفظات، ونتوقف عند المستوى البيداغوجي الصرف للقرار، كيف سينفذ؟ وعلى من؟ وبمن؟ ولأي غرض تربوي؟ وبأي مرجعية منهجية وسند من المراجع؟ وعن أي لهجة دارجة تتحدث السيدة الوزيرة؟ عن لهجة التلمسانيين؟ أم لهجات جيرانهم من مسيردة، وسواحلية، وندرومة، وجبالة، وبني سنوس؟ أم لهجة الوهرانيين التي لن يقبل بها جيرانهم العبابسة، والمعسكريون والمستغانميون؟ حتى لا نستغرق في تعداد لهجات الشرق، والوسط، والجنوب، وما فيها من اختلاف وتباين ومن مفردات متداولة بمعنى مقبول هنا، هي عند الآخر شتيمة، أو هي خادشة للحياء، أو محض رطانة لسان يكاد يبين.

ثمة ما هو أفضل لأبنائنا من تعلّم الدارجة، كأن يُضاف إلى مقرر الشُّعب الأدبية ابتداء من الطور المتوسط، الاطلاع على الأدب الشعبي من قصص، وشعر ملحون، وملاحم شعبية مروية، ضمن حصص تثقيفية صرفة، وليس إضافة مزيد من التشويش على اللسان الوطني، الذي تحاصره الفرنسية في الإدارات والمؤسسات، وفي المحيط، فضلا عن وسائل التواصل الاجتماعية التي يرطن فيها أبناؤنا اليوم بنصف الدارجة، وربع الفرنسية، وسدس العربية، وبمشتقات من لهجات مشفرة قد يعافها غلمان العلوج في العهد العباسي، وتسخر منها بربرة أهل مالطة

مقالات ذات صلة