-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التديّن المجّاني.. ومحنة غزّة!

سلطان بركاني
  • 802
  • 0
التديّن المجّاني.. ومحنة غزّة!

في الأيام الماضية، وخلال موجة البرد التي مرّت بنا، لبسنا من أثخن ثيابنا، وأوينا إلى بيوتنا حيث المدافئ والفراش اللين والطعام الدافئ، وحتى عندما كنّا ندخل إلى أماكن عملنا، كنّا نجدها دافئة، وكذلك كنّا نصلي في مساجد مفروشة دافئة.. في تلك الأيام، كان إخواننا في قطاع العزّة غزّة يعيشون محنة قلّ نظيرها في هذا العالم، يكابدون البرد القارس في خيام لا تدفّئ من برد ولا تقي من مطر.. اجتمع عليهم الجوع والبرد والخوف من غدر الصهاينة الذين خرقوا اتفاق وقف إطلاق النّار أكثر من 500 مرة!
رأينا بأعيننا صور الأمّهات وهنّ يبكين أمام تلك الخيام الممزّقة التي تحوّلت إلى برك من الماء، ورأينا صور الأطفال الذين يذرفون دموع الحسرة والأسى وهم يجلسون وسط أفرشة مبلّلة تزيد من معاناتهم.. أمّا أمّتهم المسلمة فهي عندما سمعت بوقف إطلاق النّار في العاشر من أكتوبر الماضي، ظنّت أنّ محنة غزّة قد انتهت، لكنّ الحقيقة أنّ المحنة لا تزال متطاولة.. لا تزال آلاف الأسر في مناطق مختلفة تعاني الجوع حيث لم تصلها المساعدات، ولا تزال آلاف الأسر تأوي إلى خيام بالية لا تردّ برد الشّتاء، ولا تزال مناطق كثيرة من القطاع تتعرّض للقصف الصهيونيّ الهمجي.. أهل غزّة يعانون والأمّة كلّها ستسأل عنهم، كما تسأل وتحاسب عن رجالها وأسودها من جند المقاومة المحاصرين في غزّة الآن، بعد أن نقض الصهاينة عهدهم، واستغلّوا تواطؤ الأمّة على خذلان المرابطين، ليحاصروهم.. الأمّة أطبقت على خذلان المرابطين، وضغطت عليهم ليسلّموا أسلحتهم، والصهاينة الآن يحاصرون جند الأمّة ويمنعون عنهم الطّعام والشّراب.. من كان يتوقّع أن نصل إلى هذا الدّرك من اللامبالاة والخذلان؟! من كان يتوقّع أن تطبق الأمّة على خذلان رجالها وأبطالها ومن يدافعون عن أقصاها وأرضها المقدّسة.
عزاؤنا في المرابطين أنّهم -بإذن الله- الطائفة المنصورة التي لا يضرّها من خذلها أو خالفها.. وعزاؤنا في أهل غزّة أنّهم مهما بلغت الفتنة التي يعيشونها والمحنة التي يمرّون بها فإنّما هي فتنة في دنياهم الفانية، زلزلوا فيها كما زلزل أصحاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- يوم قيل لهم: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل))، وقريبا ينال أهل غزّة إحدى الحسنين: النّصر أو الشّهادة.
إخواننا في غزّة يبتلون في دنياهم، لكنّ دينهم –بفضل الله- قد سلم، وهم بين شهيد سعيد، وجريح أو مبتلى بالجوع والبرد والتشريد صابر محتسب راض عن ربّه يرجو رضوانه.. لكن ماذا عنّا؟ فتنتنا أعظم من فتنتهم! فتنتهم في دنياهم، وفتنتنا في ديننا.. التبس علينا ديننا، وما عدنا نعرف الحقّ من الباطل! وما عدنا نعرف أين نضع أرجلنا ولا أيّ طريق نسلك! ولا مع من نكون! خلافات وخصومات لا تنتهي جعلت كثيرا من المسلمين ينسون دينهم وينشغلون بدنياهم.. والمسلم لا يجوز له أبدا أن يركن إلى دنياه ويترك قضايا دينه وأمّته مهما بلغ الخلاف، بل لا بدّ له أن يتعب للوصول إلى الحقّ، ولا يليق به أن تكون دنياه أغلى وأهمّ بالنسبة إليه من دينه.
واللهُ الحقّ سبحانه قد جعل للحقّ علامات بيّنة يعرف بها في كلّ زمان ومكان؛ لعلّنا نشير إلى علامتين فارقتين منها، أولهما: تواطؤ أهل الباطل والفساد على حربه (أي: حرب الحقّ).. الحقّ لا يُترك أبدا، الحقّ محارب في كلّ زمان ومكان، لأنّ هناك بشرا ينغّص عليهم الحقّ حياتهم فلا يحبّون أن يروه أو يسمعوا به، لذلك يعلنون عليه حرب التشويه والتنفير والتخويف، حتى ينفضّ عنه النّاس ولا يتبعوه! وأوّل من قام بالحقّ في هذه الأمّة، النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- حين نزل عليه الوحي أوّل مرّة، ماذا قال له ورقة بن نوفل؟ قال: “لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِي”.. وهكذا كان القائمون بالحقّ بعده في كلّ زمان وكلّ مكان، ولذلك لمّا سئل بعض الأئمّة: كيف نعرف أهل الحق في زمن الفتن؟ قال: “اتبع سهام العدو فهي ترشدك إليهم”.. وفي زماننا هذا نرى كيف أنّ السهام كلّها تتّجه إلى البقية الباقية من المرابطين في أرض الرباط، حتى وصل الأمر إلى محاربة وتشويه كلّ من يدعمهم ويدافع عنهم وإلصاق التهم الكاذبة به.
الأمارة الثانية من أمارات الحقّ؛ أنّ أهله يمتحنون ويزلزلون. قال تعالى: ((الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)). ولذلك فمن زعم أنّه على الحقّ وهو الذي لم تشكه شوكة في سبيل الله، فإنما يخدع نفسه، ومن زعم أنّ جماعته على الحقّ، وهي مرضي عنها في كلّ مكان، فهو يكذب على نفسه وعلى النّاس.. ومن أراد أن تثبت قدمه على طريق الحقّ وعلى الصراط المستقيم من دون أن يبتلى ويفتن فهو يطلب المحال.. من أراد جنّة عالية براحة دائمة فهو يطلب ما لا يكون أبدا.
مشكلتنا في هذا الزّمان أنّنا نريد أن نعرف الحقّ وننتسب إليه ونموت عليه ونحن الذين لا نريد أن ينقص شيء من دنيانا ولا نحبّ أن نمسّ في أبداننا وأموالنا وأهلينا! ولذلك انتشر بين المسلمين ما يسمّيه بعض الدّعاة “الإسلام المجّاني”، وأسمّيه أنا “التديّن المجّاني”، وهو رغبة المسلم في أن يكون تديّنه من دون كلفة يتحمّلها ومن دون ضريبة يدفعها! نريد أن نعرف الحقّ ونكون من أهله وندخل جنّة الفردوس من دون أن ندفع الضريبة! من دون أن نبتلى في أنفسنا وأموالنا وأهلينا! وهذا محال، يقول الله تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) (البقرة: 214)
الثقافة العلمانية ربّت الجيل الجديد من المسلمين على أن يتديّن تديّنا ورديّا معزولا عن قضايا الدّين والأمّة، يختار المتديّن به من تكاليف الإسلام أيسرها وأخفّها على نفسه، ويبتعد كلّ البعد عن كلّ تكليف يمكن أن يدخله في صراع مع الباطل.. وربّما تجده يتحايل على التكاليف التي تتعلّق بنصرة الحقّ ومدافعة الباطل، ويطعن في كلّ قضية يرى أنّ نصرتها ستجلب له المتاعب!

إذا تعلّق الأمر بالإنفاق في سبيل الله، مثلا، لا تسمعه إلا وهو يحدّثك عن المتحايلين وعمّن يسرقون التبرّعات، وكأنّ كلّ العاملين لدين الله يتحايلون ويسرقون! كلّ هذا حتى يجد لنفسه العذر في ترك الإنفاق! وعندما يتعلّق الأمر بجهاد الصهاينة والمعتدين لا تسمعه إلا وهو يطعن في المجاهدين ويتهمهم في نياتهم وولائهم لدينهم وأمّتهم! كلّ ذلك حتى يبرّر لنفسه القعود عن دعم المجاهدين بما يستطيع! وإذا تعلّق الأمر بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تسمعه إلا وهو يتّهم الآمرين والناهين بشتى أنواع التهم ويروّج في حقّهم الأكاذيب ويبهتهم! كلّ ذلك حتى لا يقلق نفسه بتذكّر واجب الأمر والنهي وتحمّل تكاليفه!
لقد صنع الماكرون لشباب الأمّة في هذا الزّمان تديّنا مؤسسا على “الإسلام المجانيّ” وقالوا لهم إنّ هذا هو المنهج الصحيح الذي لا نجاة إلا به، بينما هو في حقيقته تديّن انهزاميّ سلبيّ يشغل أتباعه بشعائر ومظاهر ليس فيها مشقة ولا تعب، ويحرّضهم على عداوة وحرب كلّ من يحيي في الأمّة شعائر نصرة الحقّ ومدافعة الباطل، ويسوّل لهم بأنّ الطّعن في المصلحين العاملين والمجاهدين المرابطين هو الجهاد الحقيقيّ! بل إنّ هذا النّوع من التديّن يعفي أتباعه حتى من مجاهدة أنفسهم وتنقيتها من أمراضها وأدرانها ويلهيهم عن تنظيف قلوبهم ويشغلهم بالمظاهر والشعائر التي لا تزعج أحدا!
مصيبة أن يرضخ عبد يؤمن بالله واليوم الآخر لنفسه وشيطانه، ويرتضي تديّنا مجانيا ورديا لا يكلّفه جهاد عدوّ ولا حتى جهاد نفس، في زمن بلغ فيه التدافع بين الحقّ والباطل مداه! التديّن المجّاني لن يعيد لأمّتنا عزّها، ولن يردّ لنا فلسطين ولا الأقصى، ولن يبلغنا جنّة كتبها الله لعباده الذين يجاهدون أنفسهم وواقعهم ويصبرون على ما يصيبهم في سبيل الله.
الجنّة هي سلعة الله الغالية التي لا بدّ لها من ثمن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!