التراثُ الثقافي لبني ورثيلان
هذه هي المرة الثانية التي أزور فيها مدينة بني ورثيلان، موطن أسلافي، الذي انتقل أحدُهم منها إلى منطقة جيجل في القرن التاسع عشر، وكانت المرة الأولى قبل هذه ببضع سنين.
أقمتُ مدة أسبوع في حمام قرقور المعدني، وكنت أخصِّص الأمسياتِ للتجول في قرى المنطقة وبلداتها لأزداد تعرُّفا عليها طبيعيا واجتماعيا…
وقد خصّصتُ أمسية يوم الأربعاء 1/6 لزيارة مدينة بني ورثيلان، وكان دليلي هو الأستاذ المملوء حيوية ونشاطا، الفصيح اللسان، مراد مولكاف، رئيس شُعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مدينة بوقاعة التي لم أسمع فيها ولم أر ما يخدش الحياء، أو يؤذي السمع والبصر.
استقبلنا في مدخل مدينة بني ورثيلان الأستاذُ صلاح الدين مزهري، رئيس شعبة الجمعية في بلدية بني ورثيلان، ثم السيد رئيس المجلس الشعبي البلدي.
توجّهنا إلى منزل الداعية الإسلامي الفضيل الورثيلاني، ذي الشهرة العالمية، الذي ظلمه الجاهلون من محتكري الوطنية ومدَّعيها؛ فلم يسمحوا بنقل رفاته من تركيا، حيث توفاه الله في سنة 1959 إلا في سنة 1987، وهو الذي كان “سفيرا” للشعب الجزائري في المشرق الإسلامي منذ نهاية الثلاثينيات إلى أن توفاه الله، وقد صدر أولُ تأييدٍ لثورة أول نوفمبر يوم 3 منه بتوقيعه، بتوجيهٍ من الإمام الإبراهيمي، الذي قال عنه: “إنه جيشٌ لا رجل” وسمَّاه اليمنيون “أبا الدستور”.
لقد رُمِّم هذا المنزل، والنية معقودة على تحويله إلى متحف، ذلك ما وعد به الإخوةُ أعضاء شعبة جمعية العلماء، والسيد رئيس المجلس الشعبي البلدي، والسيدة رئيسة الدائرة التي أبدت استعدادها للتعاون مع شُعبة جمعية العلماء، وكذا السيد إمام مسجد الفضيل الورثيلاني الذي ترحَّمنا على روحه ووقفنا على ضريحه، واقترحنا إقامة ملتقى عنه في العام القادم إن شاء الله.
كما وقفنا فترة قليلة من الوقت على ضريح الرحّالة المشهور الشيخ الحسين الورثيلاني المتوفّى في سنة 1779، صاحب كتاب “نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار”. وقد تفضَّل السيد رئيس المجلس الشعبي البلدي فأهداني –مشكورا – نسخة من كتاب يحمل عنوان: “التراث الثقافي لمنطقة بني ورثيلان” لأحد أبناء المنطقة هو السيد عبد الرزاق جيجيك.
لقد بذل السيد عبد الرزاق مجهودا كبيرا في تتبُّع وإحصاء وتصوير ما استطاع إليه سبيلا من أعلام المنطقة، وهم كثّر (علماء، شهداء، مجاهدون) ومعالم (مسجد، زوايا، مواقع معارك مع الجيش الفرنسي المجرم) ونستطيع تصوُّر هذا المجهود الشاق إذا علمنا أن منطقة بني ورثيلان تضم 117 مائةً وسبعَ عشْرَة قرية (ص 9). ويحتوي الكتابُ على معلومات غزيرة، بعضها لشخصيات ذات بُعد إسلامي، وبعضها ذات بُعد وطني.. وفيه قوائم لشهداء وشهيدات جهادنا التحريري، وأسماء من سمّاهن “خنساوات” المنطقة، وهنَّ نساءُ الجزائر اللاتي استُشهِد أبناؤُهن لتحقيق ما ننعم به اليوم من حرية وكرامة.
شكري الجزيل والحار لكل الإخوة في حمام قرقور، وبوقاعة وبني ورثيلان، مسئولين ومواطنين على ما غمروني به -لفضلهم- من كرم وفادةٍ وحُسن استقبال.