الرأي

التربية قبل التعليم‮

قيل إن والدة الإمام مالك بن أنس ـ رضي‮ ‬الله عنه ـ أوصته عندما أرسلته ليتعلم عند”ربيعة الرأي‮” ‬قائلة ما معناه‮: ‬تعلم من أدبه قبل علمه‮..‬

إن هذه المرأة الحكيمة التي‮ ‬لم تعرف مدرسة في‮ ‬حياتها،‮ ‬ولكنها نشأت على‭ ‬الفطرة،‮ ‬أوصت ولدها بما‮ ‬يُوصي‮ ‬به أكابر العلماء‭ ‬وخبراء‭ ‬التربية في‮ ‬العالم كله،‮ ‬وهو”التربية‮”‬،‮ ‬لأن العلم‮ ‬غير المحصّن،‮ ‬بالأخلاق‮ ‬يكون ضرره على‭ ‬صاحبه ـ في‮ ‬الدنيا أو في‮ ‬الآخرة ـ أكثر من نفعه‮.‬

إن المحاكمات التي‮ ‬تابعنا فصولها مؤخرا في‮ ‬الجزائر‮ (‬سوناطراك ـ الخليفة ـ الطريق السيار‮) ‬لا‮ ‬يعاني‮ ‬المتورطون فيها‮ “‬نقصان العلم‮”‬،‮ ‬ولكنهم‮ ‬يفتقدون‮ “‬التربية،‮ ‬والأخلاق‮”‬،‮ ‬ولو أعجبتنا أموالهم‮.. ‬وأقوالهم‮.. ‬ومساكنهم‮.. ‬ومناصبهم‮. ‬ومما حفّظنا شيوخنا ومعلمونا قول الشاعر‮”: ‬

لا تحسبن العلم‮ ‬ينفع وحده‮ ‬.:. مالم‮ ‬يتوّج ربه بخَلاق

عندما بدأ الإمام ابن باديس وصحبه الأبرار حركتهم المباركة كانوا أحرص ما‮ ‬يكونون على‭ ‬التربية،‮ ‬فكثير من مدارس جمعية العلماء‭ ‬المسلمين الجزائريين كانت تحمل اسم‮ “‬التربية والتعليم‮”. ‬وجمعية الإمام ابن باديس نفسه اسمها‮ “‬جمعية التربية والتعليم‮”. ‬هناك إجماع أو شبه إجماع على‭ ‬فشل المدرسة الجزائرية‮ “‬تربويا‮”‬،‮ ‬إضافة إلى‭ ‬فشلها‮ “‬علميا‮”‬،‮ ‬وفشلها العلمي‮ ‬ناتج عن فشلها ‮”‬التربوي‮”.‬

إن ما‮ ‬يسمى عندنا‮ “‬إصلاحات‮” ‬لم تثمر لا في‮ ‬الميدان العلمي،‮ ‬ولا في‮ ‬الميدان الاقتصادي،‮ ‬ولا في‮ ‬الميدان الإداري،‮ ‬ولا في‮ ‬الميدان السياسي،‮ ‬وسبب عدم إثمارها هو خلوّها من الأخلاق‮.. ‬وها هم تلاميذنا‮ ‬يتفنّنون في‮ ‬ابتكار أساليب الغش،‮ ‬وها هم سياسيونا من أكبرهم إلى أصغرهم ومن أعلاهم إلى أدناهم‮ ‬يحوزون قصب السبق في‮ ‬كيفيات التزوير،‮ ‬لم‮ ‬يهتد إليها أكبر مزور في‮ ‬الانتخابات وهو الوالي‮ ‬العام الفرنسي‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮ “‬مارسيل إيدموند نيجلان‮” (‬1892‮ ‬‭-‬‮ ‬1978‮)‬،‮ ‬ولا أستبعد أن‮ ‬يبادر أحد من لا خلاق لهم إلى تأسيس‮ “‬مدرسة‮” ‬لتعليم كل أساليب الكذب،‮ ‬والغش،‮ ‬والتزوير،‮ ‬والسرقة،‮ ‬والرشوة‮..‬

ذكر چي‮ ‬پيرڤياي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬الطلبة الجزائريون في‮ ‬الجامعة الفرنسية‮ ‬1882‮ ‬‭-‬‮ ‬1962‮ ‬أن الشعب الجزائري‮ ‬سمى المدرسة الفرنسية في‮ ‬الجزائر‮ “‬مدرسة الشيطان‮”‬،‮ ‬لأنها كانت خالية من‮ “‬التربية الإسلامية‮”‬،‮ ‬وقد نُفي‮ ‬الإمام مصطفى ابن الكبابطي‮ ‬ـ مفتي‮ ‬الجزائر ـ إلى‭ ‬الاسكندرية‮ ‬1842‮ ‬لأنه رفض حض أولياء‭ ‬التلاميذ على‭ ‬إرسال أبنائهم إلى المدار الفرنسية لأنه”لا حظ أن أغلب من‮ ‬يعرفون الفرنسية كانوا في‮ ‬غالب الأحيان مخمورين،‮ ‬لا‮ ‬يؤدون الصلاة ولا‮ ‬يصومون‮”. ‬فلا أمل في‮ ‬تعليم من‮ ‬غير تربية،‮ ‬ولا تربية إلا في‮ ‬الإسلام‮. ‬

مقالات ذات صلة