-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التربية.. قرارات الأفراد وقرارات الدولة!

التربية.. قرارات الأفراد وقرارات الدولة!

النقاش الجاري حاليا حول بعض الإصلاحات المتعلقة بالمنظومة التربوية لا يثير فقط مسألة الاستخفاف بالانعكاسات بعيدة المدى لمثل هذه “الإصلاحات” التي تبدو جزئية، بل يثير مسألة أهمّ من كل هذا وهي غياب المؤسسات المعنية بمستقبل القطاع عن هذا النقاش مثل البرلمان والمجالس العليا المختلفة (اللغة العربية، الأمازيغية، التربية…) وكل ما له علاقة بالتربية والتعليم من قريب ومن بعيد، مما يثير إشكالية أكبر من تلك التي تبدو على السطح: إننا فعلا أمام حالة شغور حقيقي في المؤسسات مما جعل قرارات الأفراد تُهيمن على قرارات الدولة…

الطبيعي أن تناقش قضايا مستقبل المنظومة التربوية في آن واحد، على مستوى المؤسسات الرسمية العليا، والوزارة، والأسرة التربوية (أساتذة، نقابات، أولياء التلاميذ…) وكذا المجتمع المدني بجميع مكوناته، جامعات، أحزاب، جمعيات، وسائل إعلام، مثقفين، مواطنينالخ، أي أن تتم دراسة الموضوع من قبل هؤلاء كافة، في شفافية تامة، مستحضرين الماضي والحاضر والمستقبل ليتمّ البت في حزمة إصلاحات كلية تمس جوانب القطاع  كافة، ذلك أن الجميع يعرف أنه مريض ويحتاج إلى علاج.

الغريب أنه بدل أن يتمّ طرح مرض قطاع التربية على طاولة نقاش حقيقي وعميق ومتعدد المستويات، وعابرة للتخصصات، وأن يتم النظر في مسألة تكوينالإنسانبالدرجة الأولى، وفي مسألة المكوّنالأستاذبجميع أبعادها، ومسألة الإطار البيداغوجي والمادي الذي يتم فيه التكوين، والمحيط العام المؤثر في الجميع، بدل أن يتم طرح كل هذا بشكل مفصل وبعيدا عن كل المزايدات، يتم الحفر على مستوى ضيّق (48 ساعة) في مسائل فرعية تثير من الحساسيات والنقاشات العقيمة أكثر مما تطرح من بدائل للمستقبل

وهكذا، بدل أن يطرح الجزائريون للنقاش بدائل تحسين مستوى أبنائهم في اللغات الحية مثل الإنجليزية، وكيفية تأهيلهم ليكونوا أكثر كفاءة في مجال اللغة العربية، وبدل البحث في السبب الرئيس وراء انخفاض مستوى التلميذ الجزائري ثم الطالب الجزائري، وضعف الإنتاج العلمي في الجامعة، وعلاقة كل ذلك بالوضعية الاجتماعية للأستاذبدل كل هذا تم توجيههم إلى إعادة نقاش عفا عنه الزمن وتآكل على مر التاريخ، يتعلق بجدوى تدريس العامية. وكأن هناك نيّة مبيّتة تقول إنه ممنوع على الجزائريين فتح نقاش حول المستقبل، وعليهم باستمرار اجترار مشكلات الماضي ولو مر عليها قرن من الزمن.

وهنا تبدو لنا جليا خلفية هذا النقاش غير البريء وخلفية هذه القرارات الصادرة عن مجموعة محدودة من الناس، ذات التأثير السالب ليس فقط على التكوين في البلاد إنما على أمنها واستقرارها. وأدرج في هذا المستوى أربعة مؤشرات على ذلك:

1ـ مثل هذه القرارات (تهميش اللغة العربية والتربية الإسلامية) المتخذة خارج نطاق المؤسسات الرسمية، يعيد إلى الأذهان مسألة محاربة عناصر الهوية الحضارية للجزائريين ويضع المسؤول السياسي في البلاد الذي هو في هذه الحالة الوزير الأول ووزيرة التربية في خانة الفرانكوفيل المحاربين لها، وهذه الحالة من الشعور والتصور منشِئة بلا شك لمُناخ يساعد التطرف واستخدام العنف اللفظي الذي هو المقدمة الأولى للعنف الحقيقي الذي باتت بعض معالم عودته تلوح في الأفق.

2ـ مثل هذه القرارات يربك السير الطبيعي للدخول الاجتماعي المقبل، ويدخلنا في صراعاتٍ نحن في غنى عنها، في ظل تدهور حقيقي لقدرات الدولة المالية، وهشاشة الوضع الاقتصادي للمواطنين، مما يسهّل دخولنا في متاهات نحن في غنى عنها، اللهم إلا إذا كان بعض المسؤولين يعتقدون أنهم من خلال إثارة مثل هذه المشكلات الأزلية، سيُبعدون الناس عن كل نقاش حقيقي وعميق حول وضع القطاع بالدرجة الأولى ووضع البلاد بالدرجة الثانية.

3ـ مثل هذه القرارات يجعل أبناءنا مرة أخرى حقل تجارب أحيانا لسياسة لوبيات خفية تتلاعب بمصيرهم، وطورا لنزوات أشخاص أوصلتهم الصدف إلى تولي مناصب مسؤولية عليا ليسوا بجميع المقاييس أهلا لها، وهو ما يمنع حدوث تراكم الخبرة التربوية في بلادنا أساس كل تطور، ويقضي على كل النوايا الحسنة والإرادات المخلصة من أساتذة وإداريين وأعوان في كل مرة يجدون أنفسهم أمام شبه سياسة يُطلب منهم تطبيقها دون أن يستشاروا بشأن محتواها. كم من أستاذ وإطار إداري تم نقله من قناعات تربوية إلى قناعات أخرى من غير أن يُستشار أو يُقنَع بالعمل الجديد المطلوب منه؟ وكم من تلميذ ذهب ضحية هذا الوضع؟

4ـ مثل هذه القرارات يولّد لدينا حقيقة إحساس بشغور في المؤسسات على أعلى مستوى، ويؤكد لنا أن هذا الشغور منعها من أن تقوم بدورها على أحسن مستوى، آخذة بعين الاعتبار في المقام الأول البُعد المستقبلي الذي يمكّن المجتمع والدولة من مواجهة التحديات، بدلا من التكيف مع بعض معطيات الحاضر المرتبطة بوجهات نظر غالبا ما تكون محدودة ومعبّرة عن قناعات متحجّرة ومتقوقعة على ذاتها لا تُفسَّر بسوى ولاءات مشبوهة وأحيانا معروفة.

لعل هذه المؤشرات الأربعة كافية لأن تبين لنا أهمية عدم التهاون بمثل هذه القرارات والتصريحات التي تبدو غير ذات أهمية، ذلك أن الظرف الذي تمر به بلادنا، والمشكلات المتعلقة بتدني احتياطي الصرف، والعجز الواضح في الميزانية وفي ميزان المدفوعات، وصعوبة إيجاد موارد بديلة، كلها متغيراتٌ من شأنها أن تتقاطع فيما بينها لتشكل لدينا حالة قابلة للاضطراب نحن في غنى عنها.

إن بلادنا اليوم في حاجة إلى الانتقال من حالة التفكير على مستوى الأفراد أو المجموعات الضيقة إلى حالة التفكير عبر المؤسسات، وهذه مشكلة سياسية بالدرجة الأولى ينبغي أن تُحل في أقرب الأوقات إذا أردنا بالفعل التكيّف مع المعطيات الضاغطة الحالية والمستقبلية وتمكين بلدنا من عدم الانزلاق إلى ما عرفته بلدان أخرى في المنطقة.

إن الانتقال إلى التفكير عبر المؤسسات الشرعية وذات الكفاءة هو وحده الذي يمنع أيا كان من أن ينسب إليه إصلاحات أو سياسات، وأول ما نستفيده من ذلك هو أن تتوقف مثل هذه العودة إلى الوراء بالنقاش، ويتم بالفعل فتح نقاش بشأن المستقبل.

هوامش:

*بدل مناقشة المشكلات الحقيقية للتربية، يتم إعادة نقاش عفا عنه الزمن وتآكل على مر التاريخ، يتعلق بجدوى تدريس العامية. وكأن هناك نيّة مبيّتة تقول إنه ممنوع على الجزائريين فتح نقاش حول المستقبل، وعليهم باستمرار اجترار مشكلات الماضي ولو مر عليها قرن من الزمن.

*مثل هذه القرارات تُربك السير الطبيعي للدخول الاجتماعي المقبل، وتدخلنا في صراعاتٍ نحن في غنى عنها، في ظل تدهور حقيقي لقدرات الدولة المالية، وهشاشة الوضع الاقتصادي للمواطنين، ما يسهّل دخولنا في متاهات نحن في غنى عنها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    إذا ما هو برنامجكم الإصلاحي؟؟ هذا هو المطلوب؟؟ /أ هو البرنامج ما هو حلكم؟؟؟

  • عبد القادر المعسكري

    هذه الوزيرة نذيرة شؤم وبوق لإسعال فتيل حرب نحن في غنى عنها كل الامم لها لغة رسمية واحدة تعبر عن هويتها وشخصيتها ورمز لوحدتها إلا الجزائرلا تعددت لغاتها اتلرسمية وىخرها اللغات الجزائرية (العامية)لغات في لغات لامم واعراق متعددة داخل بلد واحد .يا عجبا لامة لعب بمصيرها السفهاء .

  • بدون اسم

    و هل الإصلاح يكون بإدراج العامية في تعليم الأطفال؟؟؟ دعونا من معزة و لو طارت؟؟؟ الإصلاح يبدأ بالبرامج و الانسان القائم على تنفيذها (المعلم، الأستاذ)؟؟؟ أما إدراج العامية فما هو إلا مشروع استعماري لضرب اللغة العربية في الصميم؟؟؟

  • لخضر

    أنا مع نظرتك ياأستاذ ، ولكن أين هو الحل في بناء منظومة تبني مجتمعا عصريا ولا يتخلَّى على أصالته ، إن القائمين على التربية في بلدنا مستلبين ثقافيا وفكريا ولغويا فكيف ننتظر منهم أن يُصلحوا وهم أنفسهم يحتاجون للإصلاح ؟

  • abdellah

    يعجبني كثيرا تدخلك، و كل تدخلاتك.....بديع

  • للحظة اعتقدت..............

    اعتقدت أن هناك حسن نية في مقالاتكم و لكن بعد مقال "مسجد لم يبنى على التقوى"؟؟؟ أنا متأكد أنها حملة عشواء بدون ضمير ضد أشخاص، لا الوطن لا الدين لا اللغة، حملة حاقدة عمياء ضد شخص و فقط

  • بدون اسم

    و لماذا لم يعقدو ندوات و جامعات صفيفية لهذا الأمر أم أن السياسة غلابة؟؟؟ لا يفعلون شيئ إلآ الهمهمة، و عندما يتم التدبير لأمر ، يخردون كالمسعورين رافضين بدون "لماذا"، و بدون "كيف أحسن"

  • بدون اسم

    و فيت و كفيا يا اخ قلالة و الله هذا هو المنطق و احسن رد على المشككين و من يدرو في فلك المستقورين ، كيف تطبق قرارات مصيرية في جنح الظلام و لم يشر احد من اهل الاختصاص و ذوي الراى و الاحزاب و اولياء التلاميذ وووو الا اذا كانت النية مبيتة خبيثة ، لانهم متحكمون في الادارة و القرارات و دواليب السلطة الجزائرية المتواطئة مع هذه الشرذمة و كيف لا و لائهم لفرنسا لان املاكهم و اولادهم يدرسون هناك و يسيرون من هناك و مستقبلهم هناك و ان خربت و محت الجزائر من الوجود لان لا اصل لهم

  • بدون اسم

    لقد ذكر المفكر مالك بن نبي رحمه الله أن "من بين العوامل التي مزقت وحدة القوم و فرقتهم في العهد القديم؛ هي البلبلة التي حدتث في لسانهم“... و لعل هذا ما يصبوا إليه من يحاول ضرب لسان المدرسة الجزائرية الموحد المتمثل في اللغة العربية الفصيحة...و من ثم زرع الشقاق و تمزيق وحدة الشعب و من بعدها يصير فريسة لكل الاحتمالات الممكنة؟ لذلك فهذا القرار وراءه شر مستطير؟ إننا نشم رائحة العمالة فيه لليد الخفية الخارجية لا تريد الخير للجزائر و شعبها؟؟؟

  • بدون اسم

    لقد ذكر المفكر مالك بن نبي رحمه الله أن "من بين العوامل التي مزقت وحدة القوم و فرقتهم في العهد القديم؛ هي البلبلة التي حدتث في لسانهم“... و لعل هذا ما يصبوا به من يحاول ضرب لسان المدرسة الجزائرية الموحد المتمثل في اللغة العربية الفصيحة...و من ثم زرع الشقاق و تمزيق وحدة الشعب و من بعدها يصير فريسة لكل الاحتمالات الممكنة؟ لذلك فهذا القرار وراءه شر مستطير؟ إننا نشم رائحة العمالة في لأيادي خارجية لا تريد الخير للجزائر و شعبها؟؟؟

  • خليفة

    بسم الله الرحمن الرحيم.إنّ النقاش الدائر هذه الأيام حول تعلم اللغة العربية في المراحل الأولى من التعليم يبدو أنه نقاش متهافت الغرض من ورائه هو ضرب المدرسة الجزائرية في الصميم، و محاولة سلخ هذا الشعب من هويته، هل يجب علينا دوما أن نناقش السؤال .من نحن و ماذا نريد ؟الأمم تتقدم و نحن مازلنا نبحث عن ذوانتا و هويتنا .هل فقدنا البوصلة؟هل فعلنا اللغة العربية تشكل عائق معرفي أمام الطفل ؟و لكن كيف يتمكن أطفالنا دون السادسة من حفظ كتاب الله و هو بلغة فصحى راقية ، و يعجزون عن تعلم تلك اللغة في التحضيري ؟

  • عبد الرحيم

    في نضري التدريس بالعامية أكايمي ورد لمحو الامية للكبار فتم خلطه مع شرح المدرسين بالعامية فوقع استغلال من السطة التي ترغب في تمويه لكي تتجنب مطالب رفع الاجور أي اضراب ثم تصحح

  • عبد الرحمان

    هؤلاء معينين و مقربين و ولاء أي لا يصلحوا لكي يخترعوا نموذج فقط يجلبوا نماذج العالم لباس موحد تنظيف مدرسة مثل اليابان للعمل الجماعي ديوان خدمات مدرسية نقل و اطعام و صيانة و ترميم وسائل عصرية في التعليم انقاص من الانحراف و السلوكات المنحرفة هذا يعني ان هؤلاء مناصب فقط أجرة و لكن لا يتحكمون في مصير الجزائر لان متربي و متعلم يوفر لنفسه حل في الجزائر أو في الخارج أو في الاترنت و الفاسد يهلك نفسه و مجتمعه و بلده أستاذي في الرياضيات كان يشرح لنا بالعامية

  • لندعم أفكار بعضنا، بالإضافة إليها، بتدعيمها بالتصويب، بنقدها النقد الجميل

    نريد حلا. لا نقدا .نريد مدرسة لأبنائنا، ليس لأجل فلان أو علان، لأبنائنا، مدرسة جزائرية بتركيبة جزائرية تنظر للأفق و ليس راسها مطأطأ للأسفل. لنعترف مع بعض، الكتاتيب حافظت على جزائريتنا و الجزائر في قلب الإعصار.المدارس الفرنسية، أعطتنا إطارات الجزائر المستقلة الفتية، الإثنتان.
    المشكل، لم تعد لنا كتاتيب كتلك التي كانت، كتاتيب جزائرية،يمنية سعودية ماليزية أفغانية. و لا المدرسة التي كانت:لسان فرنسي و قلب جزائري.
    لن نبكي على الأطلال، لأننا هنا و لأننا الدليل على أن الجزائر حية... لنقدم حلا.. فكرة.

  • لنتوقف عن النقد، لنقدم البديل...

    ما هو البديل؟؟؟ سنوات و سنوات و نحن غير راضين؟ أين الدراسات التي تحمل الحلول؟ أم نقن للنقد؟ هجاء للهجاء؟؟؟ قال أحمد زيل: "الغربيون ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح ... أما نحن فنحارب الناجح حتى يفشل" و قال "و انت في طريقك لمطار اليابان سوف تجد لوحة إعلانية مدون عليها عبارة " فكر لتبدع " أما و انت في طريقك لمطار القاهرة سوف تجد لوحة إعلانية مكتوب عليها " تاجر أكبر و سيطر " و الناحية التانية لوحة إعلانية أخرى مكتوب عليها " استرجل و أشرب بريل" "" لا نريد نقد نقد نريد حل و آراء.

  • لماذا سوء الظن؟ ثم أين البديل؟

    أعترف أن هذا المقال يحتوي على نظرة تحليلية أكثر من سابقه"40 لهجة.." و لكن يا أستاذنا الكريم، لا نريد الإساءة بالظن، لنقل أنهم على خطأ، متسرعين، مستبدين برأيهم. أين البديل؟؟؟ إجتمعوا إن كنت من ذوي الإختصاص أو قم من على منبرك العالي هذا، و اطلب من ذوي الإختصاص، أن يٌقدموا البديل، إذا كانت هناك سرعة في الحكم بالتضليل و الفشل على مقترحات الوزارة، فلإنه لسببين:
    1- لأن المدرسة الحالية و البرنامج و طريقة التدريس و وسائله جيدة و مقبولة و لا تستحق لا الإصلاح و لا البلبلة عليها أو:
    2-لأنه لدينا البديل