التسويف من عادة إلى آفة اجتماعية
في مختلف الإدارات، وبشتى العلاقات، أيا كان نوعها، تفشت آفة خطيرة، تخلق لنا مع مرور الوقت المزيد من الانزلاقات المجتمعية، التي يصعب ردعها أو التحكم فيها.. فلا أحد تقريبا بات يؤدي واجباته في المواعيد المحددة لها، وكثر إخلاف الوعود بن الناس، بسبب عدم الالتزام.. الكل يسوّف حاجته وحاجة الآخرين، حتى من دون وجود عائق لإنجازها. لقد أخذ الأمر طابع العادة لدى المثقف وما دونه، الغني والفقير، الصغير والكبير..
يشير الخبراء إلى أن القلق الحائم حول الانتشار الملفت لظاهرة التسويف بين فئات المجتمع، إنما هو بسبب مخلفاتها على الفرد ومحيطه، إذ وبغض النظر عن الضرر الكبير المتعلق بالإنتاجية وسوق العمل، وجب تسليط الضوء على الجانب الأخلاقي. فالتسويف لا ينفك يؤثر ماديا فقط في المجتمع، وإنما بات يجر لنا أزمة أخلاقية أيضا، تتمثل في استساغة الكذب وتحوله إلى أسلوب حديث لا يتحرج منه صاحبه، حتى وإن كشف أمره أو كان يدري بنظرة الناس الدونية إليه.. وتفشت بين القريب والبعيد صفات النفاق، حين أصبح العجز والتثاقل عن السعي في الشؤون الخاصة والعامة، يقود الكثير إلى إخلاف الوعود والتملص من المسؤولية والتواكل على الآخرين.
غياب الرقابة وانعدام الضمير
هناك عوامل كثيرة، ساهمت في انتشار عادة التسويف في المجتمع الجزائري، وبإجماع الخبراء والملاحظين، فإن غياب الضمير الحي لدى الكثير وعدم التزام المسؤولين عن الرقابة أنفسهم بأداء مهامهم في مختلف المجالات، ونحن هنا لا نتحدث عن مراقب أو مدير في العمل، وإنما المهمة تبدأ من المتابعة الشخصية للفرد داخل الأسرة، من قبل الوالدين. فحتى هؤلاء، كثير منهم يؤجلون التربية وتطبيق القواعد والقوانين على الصغار أحيانا، حتى يفلتوا من قبضتهم إلى مجتمع لا يرحم، والأمر سيان في مدارس يتساهل المربون فيها مع التجاوزات والكسل والإهمال، مخيرين، لغياب الضمير المهني، أو مجبرين، تفاديا لعتاب الأولياء والوقوع في المشكلات.
طريق مسدود محفوف بالندم
يشير الخبير الاجتماعي، الأستاذ لزهر زين الدين، إلى أن من بين عوامل التعود على آفة التسويف، والمشاركة في انتشارها الواسع، يجدر التنويه بالنقص الفادح الذي تعانيه مجتمعات العالم الثالث، خاصة في وجود استراتيجات واضحة لإدارة الوقت والانضباط به. وهذا، في حد ذاته، يعد أزمة حقيقية بجميع المعايير، خاصة إذا اكتشفنا أن لها تبعات تبدأ بالفرد نفسه. تقول الأخصائية النفسية جوادي نادية: “تراكم المهام، والاصطدام المتأخر بعدم القدرة على إنجازها، لا تزال من أهم مسببات ارتفاع نسب القلق والتوتر لدى الموظف، وربة البيت والتلميذ.. فضلا عن تضييع شؤون الناس في الكثير من المحطات، التي يقود إليها التسويف، ما يعرض الفرد للعتاب واللوم وتلقي الأذى النفسي، من أطراف خارجية، وحتى من داخله أحيانا، ما قد يتحول إلى حالة من الندم واحتقار الذات وتراجع الشعور بالفاعلية الاجتماعية”. كل هذا، يجعل من التسويف عادة بشعة تشبه طريقا مسدودا في وجه الكثير، يمكن الهروب منه عبر عدة منافذ، أولها، بحسب الأستاذ لزهر زين الدين: “الالتزام بالحس الاجتماعي والديني الذي يسمح للفرد بوضع ضوابط صارمة لنفسه لأداء واجباته في وقتها”.
تصنيف التسويف كعادة اجتماعية سيئة أو كآفة، لا يجعلنا مخولين بإلقاء اللوم على الفرد وحده، في وجود هذا الكم من المشتتات، وصعوبة العيش في ظل ظروف اقتصادية وعرة، داخل مجتمعات تفتقر إلى الوعي والتوعية، وتتميز بالضبابية وعدم وضوح الرؤية في الأمد، ما يجعل التسويف ذريعة لدى البعض ممن لا يستطيعون رسم أهداف بعيدة المدى، وهم متيقنون من عدم القدرة على بلوغها.