الرأي

التصريحات الخطيرة للرئيس الفرنسي.. الخلفيات والأبعاد

الدكتورة جعفر صبرينة / الأستاذ الدكتور حكيم غريب
  • 325
  • 0

تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية توتُّرات، يمكن وصفها بأنها غيرمسبوقة، وصلت إلى استدعاء الجزائر لسفيرها من باريس، للمرة الثانية، وحظر الطائرات العسكرية الفرنسية التحليق في أجواء البلاد. ويأتي قرار الحظر الجوي للطائرات العسكرية بعد استدعاء الجزائر لسفيرها في باريس، محمد عنتر دواد، للتشاور، السبت الماضي، بعد تصريحات للرئيس إيمانويل ماكرون تناول فيها نظيره الجزائري، عبد المجيد تبون ونظام الحكم في الجزائر.

وحسب مقال لصحيفة “لو موند” يتعلق كلام ماكرون باجتماع عُقد الخميس 30 سبتمبر بين الرئيس الفرنسي وشباب من أحفاد أشخاص شاركوا في حرب استقلال الجزائر (1954-1962)، اعتبر فيه أن الجزائر قامت بعد استقلالها في 1962 على “إرث من الماضي” حافظ عليه “النظام السياسي العسكري”.

وتحدّث ماكرون، حسب الصحيفة، عن “تاريخ رسمي أعيدت كتابته بالكامل ولا يستند إلى حقائق” بل إلى “خطاب يقوم على كراهية فرنسا”.

وفي لهجة اتخذت الجزائر خطوات قوية وشجاعة، صرح يوم الأحد 3 أكتوبر الناطق باسم هيئة الأركان العامة الفرنسية، أن الحكومة الجزائرية حظرت على الطائرات العسكرية الفرنسية التحليق فوق أراضيها، علما أنها تستخدم عادة مجالها الجوي لدخول ومغادرة منطقة الساحل حيث تنتشر قواتها في إطار عملية برخان.

ويأتي قرار الحظر الجوي للطائرات العسكرية بعد استدعاء الجزائر لسفيرها في باريس، محمد عنتر دواد، للتشاور، السبت، بعد تصريحات وسائل إعلام فرنسية للرئيس إيمانويل ماكرون تناول فيها نظيره الجزائري، عبد المجيد تبون ونظام حكمه، في حين أن المواقف الجزائرية الأخيرة في خانة تأتي كرد فعل طبيعي على كلام ماكرون الذي انتقد فيه نظام الحكم في البلاد.

وقالت رئاسة الجمهورية الجزائرية إنه على خلفية التصريحات غير المكذَّبة لعديد المصادر الفرنسية والمنسوبة للرئيس الفرنسي، ترفض الجزائر رفضا قاطعا أي تدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما جاء في تلك التصريحات، غير أن إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية العسكرية هو أمرٌ لم يحصل في السابق، إذ أن الجزائر سمحت للطائرات العسكرية الفرنسية بعبور أجوائها منذ العام 2013، وهذا التصعيد بحد ذاته غير مسبوق. يذكر أن هذه هي المرة الثانية التي تستدعي الجزائر سفيرها لدى باريس هذا العام، إذ استدعت في ماي 2020، سفيرها صلاح البديوي على أثر بث فيلم وثائقي حول الحَراك في الجزائر على قناة “فرانس 5” والقناة البرلمانية الفرنسية.

من أزمة إلى أزمة

تبدو العلاقات بين الجزائر وفرنسا، وكأنها تتحرّك من أزمة إلى أزمة، خلال الفترة الأخيرة، أما هذه الأزمة الأخيرة، فقد فجّرتها التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي نقلتها صحيفة “لوموند” الفرنسية، وهي التصريحات، التي لم تتوقف عند حدّ انتقاد النظام السياسي الجزائري، وإنما امتدت لتطال كيان الأمة الجزائرية وتاريخها، بكل ما يحويه من جدل حول الحقبة الاستعمارية، والتي خضعت فيها للاستعمار الفرنسي.

وكان الرئيس الفرنسي، قد شكك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد، عام 1830 متسائلا: “هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟” وقال ماكرون خلال لقاء له مع مجموعة من الطلبة الجزائريين، ومزدوجي الجنسية في باريس، إن “الرئيس الجزائري تبّون رهينة لنظام متحجر”، مضيفا أنه “يجري حوارا جيدا مع الرئيس الجزائري” و”أرى أنه عالق في نظام شديد التصلب”.

وبعيدا عن انتقاد ماكرون، للنظام السياسي الجزائري وأسلوبه في الحكم، فإن التصريح الذي أثار ضجة واسعة، وردود فعل سواء على المستويين الرسمي والشعبي في الجزائر، كان ذلك المتعلق بتشكيكه في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد، أما رد الفعل الرسمي الجزائري، فقد جاء قويا ومدويا بعد نشر تصريحات الرئيس الفرنسي، إذ أعلنت الجزائر السبت 2 أكتوبر، استدعاء سفيرها لدى فرنسا للتشاور، واصفة تصريحات الرئيس الفرنسي بـ”غير المسؤولة”.

يمكن القول إن فرنسا لم تتخلّص بعد من عقدتها الاستعمارية.. حملة ماكرون لانتخابات الرئاسة أصابته بلوثة خطيرة تزلفا لليمين المتطرف، كما تشهد منذ فترة العلاقاتُ السياسية والدبلوماسية بين الجزائر وباريس توترا وفتورا رافقهما نزيفٌ اقتصادي لدى شركات فرنسية غادرت البلاد ولم تجدد السلطات الجزائرية عقودها.

إن تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة بشأن الجزائر، وكذلك القرار الأخير، بشأن تقييد منح التأشيرات لدول المغرب العربي الثلاث، الجزائر والمغرب وتونس، يندرج ضمن مساعي الرئيس ماكرون، لمغازلة جمهور أحزاب اليمين المتطرف من الناخبين الفرنسيين، قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة، التي يُتوقع أن يرشِّح فيها ماكرون نفسه والمقرر إجراؤها في أفريل من العام القادم. ووفق تقرير نشرته صحيفة “غارديان” البريطانية، فإن بعض أحزاب اليمين المتطرف في فرنسا، تعتبر أن قرار تقييد منح التأشيرات، يهدف إلى استقطاب ناخبيها في الانتخابات القادمة، وتساءل البرلماني اليميني، أورلينبرادي،عن مغزى توقيت هذه الخطوة، مع اقتراب الانتخابات الفرنسية، مضيفا في تصريحات صحفية “تتهافت الحكومة في الوقت الحالي لإظهار قدر أكبر من الصرامة والسلطة”.

لا يُخفى عن أحد دخول لاعب قويّ للمنطقة وهو روسيا التي بات لها موطئ قدم في وسط إفريقيا، وتحديدا في مالي وهذا الأمر أقلق فرنسا. وتعمل روسيا بشكل مطّرد على زيادة تواجدها في جميع أنحاء إفريقيا باستخدام المزيد من الأنشطة الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية، بالإضافة إلى المزيد من الأساليب عبر مجموعة فاغنر، إذ تسعى إلى زيادة الوصول إلى احتياطيات الموارد الطبيعية الغنية في القارة.

نعتبر أن الرئيس الفرنسي يواجه معضلات داخلية تتعلق بالبطالة والاقتصاد، وأنه لم يحقق الكثير مما وعد به الفرنسيين، ومن ثم فهو يسعى إلى مغازلة جمهور الناخبين، بقضايا تدغدغ مشاعرهم، فيما يتعلق بالمرحلة الاستعمارية، واستغلال قضايا المهاجرين لفرنسا، أملا في كسب أصوات ناخبي الأحزاب اليمينية المتطرفة، والتي تركز خطابها تقليديا على تلك القضايا.

الأسباب والدوافع

في المقابل، نعتقد أن هناك شيئا يحدث في كواليس العلاقات الجزائرية الدبلوماسية، التي تشهد توترات غير مسبوقة كأنَّ الأمور اختلفت مع فرنسا، وغيرها من الدول، ونرى أن قطع العلاقات مع فرنسا قد تكون مخاطرة حقيقية في ظل التحديات الأمنية التي تمر بها المنطقة والجزائر بالدرجة الأولى، فقرار حظر الطيران العسكري سيحمل أضرارا كبيرة على فرنسا، التي لديها التزامات عسكرية بالتواجد في مالي، وهي بالعادة تعبُر الأجواء الجزائرية. من جهة أخرى لا يُخفى عن أحد دخول لاعب قويّ للمنطقة وهو روسيا التي بات لها موطئ قدم في وسط إفريقيا، وتحديدا في مالي وهذا الأمر أقلق فرنسا. وتعمل روسيا بشكل مطّرد على زيادة تواجدها في جميع أنحاء إفريقيا باستخدام المزيد من الأنشطة الاقتصادية والدبلوماسية التقليدية، بالإضافة إلى المزيد من الأساليب عبر مجموعة فاغنر، إذ تسعى إلى زيادة الوصول إلى احتياطيات الموارد الطبيعية الغنية في القارة، بحسب تقرير لمجلة “فورين بوليسي”، ولا ننسى أنّ العلاقات الجزائرية الروسية دائما متميزة، وهي قائمة بمعزل عن فرنسا، ونعتقد أن التواجد الروسي في المنطقة يعطي للجزائر ضمانة أكبر لحمايتها من المجموعات الإرهابية والمتطرفة.

الرئيس الفرنسي يواجه معضلات داخلية تتعلق بالبطالة والاقتصاد، وأنه لم يحقق الكثير مما وعد به الفرنسيين، ومن ثم فهو يسعى إلى مغازلة جمهور الناخبين، بقضايا تدغدغ مشاعرهم، فيما يتعلق بالمرحلة الاستعمارية، واستغلال قضايا المهاجرين لفرنسا، أملا في كسب أصوات ناخبي الأحزاب اليمينية المتطرفة، والتي تركز خطابها تقليديا على تلك القضايا.

وحول الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي إلى الإدلاء بهذه التصريحات، فإنّ ماكرون انساق وراء خطابات اليمين المتطرِّف الذي يبرز الآن في الساحة السياسية الفرنسية، وبالتالي يريد كسب الرهان والناخبين عبر الدخول في ملفات، أبرزها الهجرة وما نتج عنها من خفضٍ للتأشيرات، الأمر الذي دعا الجزائر إلى التحرك خاصة أن ماكرون، ولأول مرة منذ تربعه على دفة قصر الإليزي قبل أكثر من أربع سنوات، لم يجرؤ على توصيف السلطات الجزائرية بتلك العبارات التي وظفها في لقائه بـ18 شابا من أصول جزائرية ومن أحفاد “الحركى” و”الأقدام السوداء”، في إطار حملته الانتخابية غير الرسمية للانتخابات الرئاسية المرتقبة ربيع العام المقبل. وكان واضحا من خلال كلام الرئيس الفرنسي، أن مشروعه الموسوم بـ”تهدئة صراع الذاكرة”، والذي أوكله للمؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، لم يؤت أكله إلى حد الآن، وهو الذي راهن عليه منذ انتخابه في عام 2017، لأنَّ الطرف الجزائري لم يساير الخطوات الفرنسية التي بقيت من جانبٍ واحد، فيما بدا تحفظا عن المشروع وعما قام به ستورا على صعيد الذاكرة، الذي يعتبر ملفا جد حساس بالنسبة للجزائريين.

كما رافق ذلك بروزُ عدة مؤشرات خلال الأشهر الأخيرة على تعثر العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، من خلال خسارة شركات فرنسية كبيرة مواقعها المتقدمة بالسوق الجزائري. وبلغة الأرقام، إذا استثنينا 2020 باعتبارها سنة جائحة كورونا، نجد فرنسا خلال 2019 هي المورد الثاني للجزائر بعد الصين، بصادرات تقارب 6 مليارات دولار، تهيمن عليها مبيعات الحبوب والأدوية والسيارات والوقود، إضافة الي وجود 8 آلاف شركة فرنسية تُصدّر منتجاتها وخدماتها إلى الجزائر، مقابل صادرات جزائرية وصلت عام 2019 إلى 5 مليارات ومئة مليون دولار، لكن 95% منها تتكون من هيدروكربونات النفط الخام والغاز الطبيعي وغاز البترول المميع، وخلفيات وآفاق اقتحام العملاق الصيني للسوق الجزائرية، بالنظر إلى ثقل التاريخي للجزائر وتوجهها السيادي، مقارنة بالكثير من الدول الإفريقية الأخرى.

ونعتقد أنه يمكنها اليوم -في إطار تحالفها الطبيعي والتاريخي مع الصين- قيادة قاطرة التطور الاقتصادي، الذي تتزعمه بكين تحت مبدأ “بدل أن تعطيه سمكة علّمه الصيد”، وهو أمرٌ مختلف تماما عن ثقافة باقي المتدخلين الاقتصاديين الغربيين القائمة على الاستغلال. ونظرا لموقعها الاستراتيجي في إفريقيا وموازاتها لجنوب أوروبا، فإن الجزائر اليوم محل أنظار القوى الاقتصادية العالمية، ويأتي مشروع ميناء شرشال الكبير كدعم لسياسة التعاون الجزائري الصيني، الذي يجعل جنوب أوروبا متلاحما مع شمال إفريقيا ووسطها.

زيادة عن ذلك لطالما شكلت “ملفات الذاكرة” المرتبطة بالحقبة الاستعمارية الفرنسية للجزائر (1830 ـ 1962)، نقطة لتوتر دائم في العلاقات بين البلدين؛ بسبب رفض باريس الاعتراف بجرائمها الاستعمارية، كما أن مستجدات المشهد السياسي الجزائري، منذ الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019) ومجيء خلفه عبد المجيد تبون نهاية 2019، كانت مصدرا للتوتر في العلاقات الثنائية، خلال الأشهر الأخيرة، بسبب اتهامات محلية لباريس بالتدخل في الشأن الداخلي.

وفي الأخير، يمكن القول إن فرنسا لم تتخلّص بعد من عقدتها الاستعمارية.. حملة ماكرون لانتخابات الرئاسة أصابته بلوثة خطيرة تزلفا لليمين المتطرف، كما تشهد منذ فترة العلاقاتُ السياسية والدبلوماسية بين الجزائر وباريس توترا وفتورا رافقهما نزيفٌ اقتصادي لدى شركات فرنسية غادرت البلاد ولم تجدد السلطات الجزائرية عقودها.

وتبقي تصريحات ماكرون استفزازية وخطيرة تمسّ بسيادة الدولة الجزائرية، وإهانة لرموزها وشعبها وتدخلا مرفوضا في شؤونها الداخلية، ما يدل عن زيف علاقة الصداقة المزيفة، ففرنسا لم تتغير بالأمس واليوم ولن تتغير غدا.. وهي بمثابة تزييف للتاريخ واعتداء واضح على سيادة الدولة وتدخل في شؤونها الداخلية، فالفرنسيون يستخدمون ملف الذاكرة من أجل التوازنات الداخلية وحملة انتخابية مسبقة، كما جرائم فرنسا الاستعمارية، التي لا تعد ولا تحصى، هي إبادة ضد الشعب الجزائري، وهي غير معترف بها (من قبل فرنسا)، ولا يمكن أن تكون محل مناورات مسيئة، كما يمكن ربط خطوة “الإليزي” بـ”الحسابات الانتخابية الداخلية”، رغم اعترافنا بشجاعة الموقف الجزائري القوي والمزلزل والذي يدعو إلى التفاؤل لكبح التصرُّفات الفرنسية في فن الرد من القيادة الجزائرية التي خرجت من الدبلوماسية الهادئة الي الدبلوماسية الهجومية والردعية.

ان التصعيد الدبلوماسي بين الجزائر وباريس، سبقه توترٌ على خلفية قرار باريس خفض عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين الجزائريين، ما يرسم تساؤلا حول مستقبل العلاقات بين الدولتين، في ظل المطالب الشعبية بقطع العلاقات مع باريس وربما الذهاب خطوات أكثر جرأة وقوة مستقبلا في وضع حد قاطع للوصاية الفرنسية على الجزائر مهما كانت النتائج والعواقب.

مقالات ذات صلة